يوسف سعود يقارن بين تجربة نياغارا الكندية وإمكانات شلالات أوزود في خلق الثروة وفرص الشغل في المغرب
ساق محلل الأداء المغربي يوسف سعود مثالًا دالًا على قدرة دول أمريكا الشمالية، خصوصًا كندا، على تحويل الموارد الطبيعية إلى محركات حقيقية لخلق الثروة، مستحضرًا تجربة شلالات نياغارا التي تحولت من مجرد معلم طبيعي إلى منظومة ترفيهية متكاملة.

شلالات نياغارا، من الجهة الكندية، تستقبل عددًا من السياح الأجانب يقارب عدد زوار المغرب سنويًا، وتحقق مداخيل تناهز نصف مداخيل السياحة المغربية، فضلًا عن خلقها لحوالي 40 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر. هذه الأرقام، في نظر سعود، لا يمكن تفسيرها بحجم الشلالات أو جمالها الطبيعي فقط، بل بقدرة الدولة والقطاع الخاص على تطوير صناعة تجارب متكاملة.
ففي نياغارا، لم تعد الشلالات هي عامل الجذب الوحيد، بل تحولت المنطقة إلى مدينة قائمة بذاتها، بشوارع ترفيهية ومطاعم وفنادق ومرافق جذب، حتى أصبح الشارع المحيط بالشلالات في حد ذاته أكثر جاذبية من الشلالات نفسها. إنها منظومة خدمات مترابطة تمنح الزائر تجربة متكاملة تجعله يرغب في العودة مرة بعد أخرى.

وفي المقابل، يتساءل سعود، كيف لبلدان إفريقية، ومنها المغرب، تتوفر على شلالات ومؤهلات طبيعية معتبرة، مثل شلالات أوزود بإقليم أزيلال، ألا تحقق حتى 5 في المائة من هذا النجاح؟
يرى المحلل أن الإشكال لا يكمن في ضعف الموارد، بل في غياب الرؤية الاستثمارية. فالدولة، حسب تعبيره، كان بإمكانها لعب دورها الطبيعي في تهيئة البنيات التحتية القاعدية من طرق، ومسالك، وفضاءات مهيأة، ثم فتح المجال أمام الاستثمارات الوطنية والأجنبية لخلق مسار خدماتي متكامل على طول الطريق الرابطة بين مراكش وأوزود، مع إمكانية تسويق هذا المسار كامتداد سياحي لوجهة مراكش العالمية.
مثل هذا التوجه، كان من شأنه خلق قيمة مضافة حقيقية تعود بالنفع المباشر على ساكنة المناطق السياحية التي من المفارقة تعيش، أوضاعًا اقتصادية هشة، بدل الاكتفاء بالاعتماد على موارد ضريبية لا تخلق الثروة ولا تحفز التنمية.
ويعيب يوسف سعود على السياسات العمومية استمرار ضخ استثمارات ضخمة في مدن لا تنتج الثروة ولا تشكل وزنًا حقيقيًا في المداخيل الضريبية، معتبرًا أنه من غير المنطقي إنفاق مليارات الدراهم من أموال دافعي الضرائب في مجالات لا تحقق مردودية اقتصادية واجتماعية واضحة.
وعند الحديث عن صناعة الترفيه، يؤكد سعود أننا نتحدث عن آلة إنتاجية مركبة، تصاحبها قطاعات متعددة من مطاعم وفنادق ونقل وخدمات وصناعات محلية، وهو ما كان يمكن أن يخلق دينامية اقتصادية ممتدة من مراكش إلى أوزود، قادرة على امتصاص البطالة وتحسين شروط العيش.
وفي ملاحظة ذات بعد جيو-اقتصادي، يشير المحلل إلى أن رؤوس الأموال الأمريكية تتجه شمالًا نحو كندا أكثر من توجهها جنوبًا نحو المكسيك، في سلوك يشبه العلاقة بين ضفتي المتوسط، حيث يظل الجنوب مصدرًا للهجرة أكثر من كونه فضاءً للاستثمار.
ويطرح سعود سؤالًا جوهريًا، ماذا لو تخلّى رأس المال عن خوفه من الجنوب، واعتمد منطق “رابح-رابح” القائم على تقاسم التنمية بدل احتكارها؟ خصوصًا في عالم يُعاد فيه اليوم بناء أوكرانيا بضخ استثمارات هائلة للحفاظ على تفوق الشمال، بينما يُترك الجنوب لفتات التنمية.
يخلص سعود في النهاية إلى أن غياب تعاون جنوب-جنوب حقيقي، واستمرار أنظمة تدفع بلدانها نحو مزيد من البؤس، كما هو حال المنطقة المغاربية، يبددان فرصًا تنموية هائلة كان من الممكن أن تغيّر واقع ملايين المواطنين.


















Discussion about this post