لم تمر عملية هدم قصر فاخر للحفلات في منطقة “المكانسة” بجماعة بوسكورة، بإقليم النواصر، والتي جرت بداية الأسبوع المنقضي، دون أن تُخلف تفاعلات متبانية، وتُخلف ضجة في أوساط الرأي العام، كونها عملية غير مسبوقة على الصعيد الوطني، من حيث سرعة تنفيذها، ومن حيث القيمة المالية للمشروع، والذي يقول صاحبه أنه أنفق عليه ما يقارب 16 مليارا.
ونظرا لأن النقاش الذي أحاط تفسير قرار الهدم وكيفية تدبيره، عزز من جرعات اللبس والغموض الذي أحاط القضية، وتصاعد الشك أكثر مع صمت وزارة الداخلية وعدم إصدارها أي بلاغ رسمي لوسائل الإعلام.
وهذا لا يعني أن قرارات مماثلة لوزارة الداخلية لم تشبها شائبة “التعسف والشطط” في كثير من الحالات السابقة، أو أن قراراتها لا تشوبها الأخطاء وسوء التقدير. لكن ما لا ينتبه إليه الكثير من المتتبعين للشأن العام، هو أنه منذ سنتين على الأقل ظهرت متغيرات كثيرة جعلت السياق العام في التعامل مع مخالفات التعمير يأخذ منحى مُختلفا.
ويتمثل في التعامل الحازم لاستعمال القوة في مسار مكافحة خروقات واختلالات التعمير المنتشرة في مختلف الأقاليم، مع الاعتراف بأن تفعيل هاته الآلية لم تصل بعد لمستوى عال من مبدأ “المساواة” و “الحكامة”، وإنما ما تزال هناك تفاوتات في تنزيلها السليم بين الأقاليم والعمالات، لأسباب مرتبطة بـ “نضج الظروف الموضوعية”.
وفي هذا المقال سنحاول الإجابة على مجموعة من الأسئلة الشائكة التي أثارتها تعليقات المغاربة على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصا على منصات فايسبوك و تايكتوك و تطبيق التراسل الفوري “واتساب”، إذ أن ما ستقرؤونه هنا كرونولوجيا تطور هاته القضية استنادا إلى وثائق رسمية صادرة عن وزارة الداخلية، ومعطيات توسعنا في البحث عنها من السلطات المحلية، وذلك من أجل تشكيل رأي موضوعي إلى حد بعيد.
أولا : أين كانت السلطات طيلة مراحل التشييد ؟
مع التصريحات التي أدلى بها صاحب “قصر الضيافة” خرجت فئة عريضة من المتتبعين للقضية، بانطباعات تكاد تكون متطابقة حول أن المعني بالأمر في هذه القضية، “ضحية” تعسف مُفترض، وليس “مُذنبا”، وأن العقوبة التي تعرض لها ذات أبعاد انتقامية. خصوصا عندما يقول “خلاوني حتى بنيت وساليت عاد جاو يهدمو ليا”.
وعلى هذا المنوال سارت تساؤلات شريحة كبيرة من المغاربة الذين علقوا على التغطيات الصحفية لعملية الهدم، متسائلين أين كانت السلطات طيلة مدة 6 سنوات ؟ و يُطرح هذا التساؤل بصيغة لا تخلو من شبهات مُبطنة حول احتمالية تواطئات في مستويات مُعينة داخل أجهزة الإدارة الترابية، ولربما يكون قرار عمالة إقليم النواصر، يوم الجمعة الماضية، توقيف باشا جماعة بوسكورة، وإحالته على التحقيق الإداري، أحد عناصر الأجوبة على هذا الأمر.
فإذا كان هذا التساؤل مشروعا، فإن الأجوبة عليه تُشكل دليلا يقلب حقائق القضية رأسا على عقب، ويجعل صاحب المشروع من “ضحية مفترض” إلى ” مُخالف للقانون مع حالة العود بشكل متكرر، ورافض للامتثال لتعليمات وأوامر صدرت بشكل متدرج على مدار السنوات الماضية.

ومن خلال الوثيقة أعلاه، يظهر أن رخصة البناء المسلمة في البداية، كانت تتعلق بمسكن قروي يتكون من طابق أرضي، وطابق أول، على مساحة 167 مترا مربعا، بالإضافة إلى صهريج مياه، وسياج من الأسلاك للقطعة الأرضية.
لكنه شيد بالمقابل جدارا من الآجور بدون ترخيص، و (طابقا تحت أرضي، بالإضافة إلى بناء أساسات وأعمدة إسمنتية على مساحة 1500 مترM2، (عوض 167 متر M2)، ثم حفر طابق أرضي آخر وبناء أساسات وأعمدة فوق قطعة أرضية مساحتها 900 متر مربع !! أليست هذه مخالفات جسيمة جدا مقارنة مع طبيعة الرخصة المسلمة للمعني بالأمر سنة 2019 ؟؟ وفق محضر اللجنة المختلطة للتعمير بعمالة إقليم النواصر، التي حررته بتاريخ 28 شتنبر 2020.
هنا قد يتسائل سائل لماذا لم تتدخل السلطات حينئذ وتهدم البناء المُخالف؟
ليس هناك جواب رسمي من السلطات يمكن أن يعطي تفسيرا مُقنعا، لكن بحسب تتبعنا لوقائع مشابهة في نهج مخالفات التعمير بنفس هذه الكيفية أي ( أخذ رخصة بناء وفق تصميم ومواصفات ومساحة معينة، ثم تشييد تصاميم مختلفة ومكونات مختلفة، على أمل استصدار رخص التسوية أو المطابقة في مراحل لاحقة إذا ما كانت مصالح التعمير مساعدة في تنفيذ المُخطط الذي يتم تنفيذه ضمن سلسلة من التواطئات المتداخلة)… فإن وزارة الداخلية في الآونة الأخيرة بدأت تدريجيا في القطع مع هاته الظاهرة المستشرية من طنجة إلى أكادير.
لكن تعامل المصالح الإقليمية معها يختلف حسب معطيات موضوعية؛ من قبيل طبيعة الشخص أو الشركة المخالفة، وحجم نفوذها وامتدادات شبكة مصالحها، بالإضافة إلى حجم المخالفات هل هي بسيطة أم متوسطة أم جسيمة ؟ أضف إلى ذلك فإن رد فعل الداخلية في الغالب لا يكون مُتسرعا وإنما تترك مهلة غير محددة الأجل قصد التراجع عن المخالفات، مع إبقاء المعني بالأمر تحت الأنظار، وهذا ما حصل بالضبط مع حسن حريري صاحب قصر الضيافة الذي ظن أنه محمي من العقاب !!.

تلاعب في التصميم الهندسي من الإيواء الحيواني إلى الإيواء البشري
في الوثيقة أعلاه الصادرة بتاريخ دجنبر أواخر سنة 2021، عوض أن يستجيب المعني بالأمر لتعليمات السلطات الصادرة في المرات السابقة، فإنه على العكس من ذلك، بقي يتماطل ويعاند ويتلكؤ في الامتثال لمقررات صادرة عن وزارة الداخلية، حيث أن الرخص التي حصل عليها تتعلق بالإيواء القروي وليس السياحي، وأخرى بالإيواء الحيواني للأحصنة، وليس لقصر للحفلات.
ويتضح من خلال الوثيقة، أن حسن حريري ممون الحفلات، كان مصمما على تحويل الرخصة المسلمة له من أجل بناء مسكن قروي أو مأوى قروي و مربض للخيول، وعلى ضوء ذلك واصل خروقاته المسجلة سلفا وتعمد مواصلة الأشغال في مخالفة صريحة للمادة 40 من قانون التعمير 90-12.
وحسب المحضر المحرر أعلاه من قائد المنطقة، فإن صاحب الورش زاد في المساحة المبنية وأحدث تقسيمات وسقوفا إسمنتية داخلية، وتجاوز العلو المسموح به في فقرات البناء المُشيد، وعلى إثر ذلك تمت إحالة ملفه على المحكمة الزجرية، ولرئيس جماعة بوسكورة، وللمعني بالأمر قصد الإخبار.


ويتضح كيف أن السلطات سعت بشكل ودي لتبليغ المعني بالأمر، من أجل تدارك الخروقات المتمثلة في بناء منشآت فوق أرض فلاحية غير مشمولة بتلك التخصيصات التعميرية، وقد واصل صاحب المشروع عناده إلى غاية سنة 2023، وهي السنة التي ستعرف تغييرا في هرم السلطة الترابية بجهة الدار البيضاء مع قدوم الوالي محمد امهيدية، وفي سنة 2024 سيتم تعيين المهندس جلال بنحيون، عاملا على عمالة إقليم النواصر.
تحركات حازمة وتدخلات صارمة تربك مصالح لوبيات العشوائي
ومنذ بدء توليهما المسؤولية بعد نيل الثقة المولوية الملكية السامية، شرع العامل الجديد، تحت إشراف والي جهة الدار البيضاء، في رصد خريطة فوضى البناء العشوائي، في الجماعات المتاخمة للعاصمة الاقتصادية، سواء في مجالها القروي أو الساحلي، وقد انطلقت حملات الهدم من شواطئ طماريس ودار بوعزة، وصولا إلى ضيعات بوسكورة.

وقد بدأت إرهاصات توجيه قرار مزلزل لصاحب مشروع “قصر الكريملين”، شهر يوليوز الماضي، بقرار من عامل إقليم النواصر جلال بنحيون، توقيف رئيس جماعة بوسكورة وإحالة ملفه على القضاء الإداري، من أجل البث في اختلالات وخروقات التعمير، وذلك إلى جانب ثلاثة من نوابه المكلفين بالتعمير وشواهد الماء والكهرباء.
وفي شهر غشت الماضي، عزلت المحكمة الإدارية رئيس جماعة بوسكورة، على خلفية رصد مخالفات جسيمة في مجال التعمير، من بينها منح رخص بناء خارج الإطار القانوني، والتغاضي عن مخالفات عمرانية شملت تشييد عمارات وشقق دون احترام المساطر الجاري بها العمل.

ومن المعلوم أن وثائق التعمير تتوفر على صفة إلزامية تحتم على صاحبها التقيد بها والانضباط لها تحت طائلة العقوبات أو الغرامات المالية، مع العلم أن القانون يتيح إمكانية تسوية الوضعية ولكن بشروط مقيدة، في حالة تغييرات و خروقات بسيطة، وليست في الشكل والجوهر وفي المعالم وطبيعة المشروع برمته وإحداث تغييرات جوهرية على مكوناته.
وعكس ما روجه المعني بالأمر من أن السلطات فاجأته في توقيت تنفيذ عملية الهدم، ولم تبلغه قبل ذلك، فإن الوثيقة أعلاه، عن طريق المفوض القضائي، تبين كيف أن مصالح إنفاذ القانون تسعى بكل الوسائل القانونية الممكنة لتبليغ المعني بالأمر، وتم تعليق نسخة من محضر تبليغ الأمر بالهدم مرة أخرى، طبقا لقانون المسطرة المدنية، في الواجهة الأمامية للورش، وذلك بتاريخ أبريل سنة 2024.
فكيف يدعي صاحب المشروع أن الأشغال وصلت مراحلها الأخيرة، وأنه كان يتواجد باستمرار في عين المكان من أجل متابعة تفاصيل تشطيباته النهائية، دون أن يتوصل بالتبليغ أو دون الاطلاع على النسخ المعلقة في واجهة الباب !!
كما أن صدور هاته الوثيقة موضوع الأمر بالهدم، استبقها قرار سحب الرخصة، وذلك يوم 24 نونبر سنة 2023، كما هو موضح في الوثيقة أسفله.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هناك معضلة على الصعيد الوطني، تشهدها مختلف أقاليم المملكة، في قضايا تجاوزات تعميرية مماثلة، لا يمتثل أصحابها إلى مقررات السلطات الإقليمية، ولا يعبأون بأية إنذارات ولا أوامر لوقف الأشغال أو الهدم التلقائي.
العامل رفض استقبال صاحب المشروع !!
بعدما لم يفلح في لي ذراع الإدارة بأساليب التهرب تارة من التبليغ، وبأسلوب التحدي واللامبالاة لكل التنبيهات و الإنذارات ، يزعم المعني بالأمر أنه حاول لقاء العامل لكي يشرح له ؟؟ فهل تحدي السلطات وتجاهل قراراتها المكتوبة والشفهية والمادية لعدة سنوات متواصلة عن طريق المفوض القضائي تحتاج إلى شروحات أو تفسيرات ؟؟
ومن جهة أخرى؛ هل كان بإمكان ممون الحفلات أنه يتحدى قرارات العامل السابق ورجال السلطة المحلية على مدار خمس سنوات، دون أن تكون وراءه جهات ما كانت تبيع له وهما كبيرا، عنوانه العريض ” واصل عملك ولا تأبه بقرارات عمالة إقليم النواصر، هناك من سيحيمك من أي قرار عقابي”. وكذلك كان على ما يبدو (بحيث استشعر صاحب المشروع الآمان في الأشخاص الذين باعوا له العجل !!)
إن موافقة أي عامل إقليم في المملكة لأي “مستثمر” أو صاحب مشروع مُخالف للقانون، لديه سوابق في رفض الامتثال للقرارات الإدارية، و الإمعان في عصيانها بشكل متكرر، رغم المراسلات المتكررة، لا يمكن تفسيره غير أنه استهتار بقرارات الإدارة واسترخاص لمكانة المؤسسات، فمن يدري بعد اللقاء أن يفتري المعني بالأمر بأنه تعرض لابتزاز أو مساومة خلف الأبواب المغلقة ؟
لماذا لم توافق السلطات على تفويته هبة للدولة ؟
راجت بعض الأقاويل منسوبة إلى صاحب “قصر الكريملين”، وقد جاءت في معرض تصريحه للصحافة بشكل عابر أثناء تواجده بعين المكان، خلال قيام جرافات السلطة بهدمه، تزعم من خلالها بأنه مستعد لأن يهب تلك البناية الفخمة للدولة، وأنه كان يفضل أن تصادرها السلطات وتجعلها مرفقا عموميا يمكن استغلاله، عوض خطواتها المدمرة والتي حولت المبنى الفخم إلى غُبار يتطاير من فوق الركام ؟
ظاهريا يبدو هذا التساؤل منطقيا للغاية، ولكنه في الحقيقة ساذج و أقرب للغة العاطفة منه إلى لغة القانون والمنطق. كيف ذلك ؟؟ فإذا كانت الدولة ستقبل ببناية مُخالفة فبالأحرى أن تتركها لصاحبها، لكي يزاول فيها أنشطته المهنية، ويقوم بتسوية الوضعية التعميرية والضريبية وغيرها.
كما أنه ليست هناك أية آلية قانونية في تدبير مخالفات التعمير تقتضي أو تؤطر عملية مُصادرة العقار المبني بشكل مخالف، ناهيك عن أن موقع قصر الكريملن المتواجد وسط مجال قروي ذي طابع فلاحي، بعيد جدا أن يصلح لمأوى المعارض أو قصر المؤتمرات، كما ادعى المعني بالأمر في خرجاته.
أما بخصوص جمع المعدات و المكيفات.. فهل تعتقد أن شخصا ظل يتلكؤ عدة سنوات في الامتثال لأوامر الهدم الذاتي هل كان سيمتثل طوعا وإراديا كما يزعم بجمع أغراضه داخل أجل 24 ساعة .
وإذا كانت أمامنا حادثة بحجم زلزال يأتي على مشروع ربحي كلفته بقيمة 16 مليار سنتيم.
هل هناك مجنون يغامر بـ 16 مليار لولا اطمئنانه بعدم المحاسبة ؟؟
والراجح أن صاحب المشروع كان مدعوما من “شخصيات نافذة” لربما كانت “تسخن أكتافه” طيلة السنوات الماضية، و لسوف تتخلى عنه و تتركه يواجه مصيره حينما شهدت الإدارة الترابية في جهة الدار البيضاء الكبرى، وإقليم النواصر، دينامية لافتة منذ تعيين الوالي محمد امهيدية، والعامل جلال بنحيون، في التصدي للعشوائيات مهما بلغ علوها ومهما ارتفعت أسقفها.
وبالوقوف عند القيمة المالية رأسمال الاستثمار، يحق لكل متتبع للشأن الاقتصادي أن يتسائل كيف ستحقق قاعة أعراس عائدا اقتصاديا بعد ضخ 16 مليارا دفعة واحدة ؟ وما هي القيمة المضافة إقليميا وجهويا ؟؟ و كم نسبة مساهمتها في خلق فرص الشغل القارة والمستدامة ؟؟




















Discussion about this post