ثقافة الفشخرة في المغرب: لماذا يصرخ المال في المجتمعات غير العادلة؟

ثقافة الفشخرة في المغرب: لماذا يصرخ المال في المجتمعات غير العادلة؟
أثارت تدوينة للصحفي عبد العزيز بنصالح، على صفحته بموقع فايسبوك يوم الإثنين، بعنوان «حين يصمت المال وحين يصرخ»، نقاشاً لافتاً حول ظاهرة اجتماعية آخذة في التوسع داخل المجتمعات النامية، وعلى رأسها المغرب، وهي ثقافة الفشخرة أو الاستعراض المفرط للثروة. ظاهرة لا يمكن اختزالها في السلوك الفردي أو الذوق الشخصي، بقدر ما تعكس اختلالات بنيوية عميقة في الاقتصاد والقيم والعدالة الاجتماعية.
فالملاحظة الأساسية التي ينطلق منها التحليل، أن الأثرياء في الدول الصناعية المتقدمة – باستثناء بعض نجوم الفن والرياضة – يميلون إلى البساطة في أنماط عيشهم، بينما تزدهر ثقافة البذخ والاستعراض في دول الجنوب، خصوصاً في العالم العربي، وتجد لها حضوراً واضحاً في المغرب، حيث تُعرض مظاهر الرفاه في سياق اقتصادي هش لا يعكس هذا الثراء الظاهر.
لفهم هذه المفارقة، يستحضر علم الاجتماع مفهوم الاستهلاك التفاخري الذي صاغه عالم الاجتماع والاقتصاد الأمريكي ثورستين فيبلن. فحسب هذا التصور، لا يُستهلك بعض السلع لحاجتها الوظيفية، بل لقيمتها الرمزية. السيارة الفاخرة، الفيلا، أو العلامات الباهظة الثمن، تتحول إلى لغة اجتماعية تُعلن المكانة والانتماء الطبقي، خصوصاً في المجتمعات التي تكون فيها المكانة غير مستقرة أو قابلة للتهديد.
في المقابل، تفقد هذه الرموز قيمتها في المجتمعات التي تُبنى فيها المكانة على العمل والمؤسسات والقانون، حيث يصبح الاعتراف الاجتماعي مستقلاً عن السوق، ولا يحتاج المال إلى “الصراخ” لإثبات ذاته.
يُعمّق عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو هذا الفهم من خلال حديثه عن تعدد أشكال الرأسمال: الاقتصادي، والثقافي، والاجتماعي، والرمزي. ففي المجتمعات المتوازنة، تتكامل هذه الرساميل، بينما تشهد المجتمعات النامية اختلالاً بنيوياً، حيث يتجاور رأسمال اقتصادي ضخم مع فقر ثقافي وهشاشة رمزية. هذا الاختلال يدفع بعض الأثرياء إلى تحويل المال مباشرة إلى رمز عبر الاستعراض، لتعويض غياب الاعتراف الثقافي والاجتماعي.
من الزاوية السيكولوجية، يمكن فهم الفشخرة باعتبارها تعبيراً عن قلق المكانة. ففي سياقات غير عادلة، حيث تُمنح المكانة أحياناً دون استحقاق، وتأتي الثروة من الريع أو القرب من السلطة، يشعر الفرد بأن موقعه الاجتماعي هش وقابل للانهيار. هنا لا يمنح المال الطمأنينة، بل يتحول إلى مصدر قلق دائم، يُترجم إلى استعراض مستمر بحثاً عن الاعتراف.
ولا ينفصل هذا السلوك عن السياق السياسي. ففي غياب الشفافية وتكافؤ الفرص، لا تُنظر إلى الثروة باعتبارها نتيجة طبيعية للعمل والابتكار، بل كامتياز مشكوك في شرعيته. وحين تغيب الشرعية الأخلاقية، تصبح الفشخرة شكلاً من أشكال الهيمنة البصرية، وخطاباً سياسياً غير معلن بديلاً عن الشرعية.
في المغرب، تتجلى هذه الظاهرة بوضوح: اقتصاد هش، طبقة وسطى متآكلة، وتفاوت اجتماعي صارخ، يقابله استعراض ثروة من طرف أقلية محدودة. السيارة الفاخرة في شارع مليء بالحفر، أو الفيلا المحصنة وسط أحياء تفتقر للخدمات، ليست مجرد تناقضات عمرانية، بل مؤشرات على حداثة شكلية لم تصاحبها حداثة اجتماعية حقيقية.
خلاصة القول، إن ثقافة الفشخرة ليست مسألة أخلاق أفراد، بل انعكاس لبنية مجتمعات. ففي المجتمعات العادلة، يصمت المال لأنه مطمئن، وفي المجتمعات غير المتكافئة، يصرخ المال لأنه قلق. كلما غابت العدالة، ارتفع الاستعراض، وكلما استقرت المكانة، تراجع البذخ من المشهد العام.
مقال رأي للصحفي عبد العزيز بنصالح
شارك المقال

بولعيش يوصي جمعيات اكزناية بعدم تصديق الإشاعات ويعطيهم المواعظ
ترتيب أفضل جمهور في كأس أفريقيا 2025.. المغرب في مركز صادم

مقالات ذات صلة
تملك السكن بعد الكراء.. موظف في وزارة التعمير يردعلى مقترح البرلماني أوزين
أثار مقترح الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، بشأن اعتماد نظام الكراء المفضي إلى التملك، نقاشا حول جدوى هذا النموذج وإمكانية تحويله إلى آلية فعلية لتمكين المواطنين من تملك...
مصطفى الفن: ست سنوات على “اتفاقات أبراهام”.. ماذا جنت الدول العربية المطبّعة غير الخيبات؟
بعد نحو ست سنوات على توقيع اتفاقات أبراهام بين إسرائيل وعدد من الدول العربية برعاية أمريكية، تعود النقاشات حول حصيلة هذه الاتفاقات وحدود ما حققته للدول الموقعة عليها، في ظل...
مصطفى بن عبد الغفور يكتب الرخص التجارية.. حين ينتقل المشكل من مدينة إلى أخرى ويبقى التاجر في قاعة الانتظار
رغبة مني في مشاركة الإخوة هذا النقاش، باعتبارنا كتجار ومهنيين معنيين جميعاً بهذا الملف، أعتقد أن ما يجري اليوم بالرباط لا ينبغي التعامل معه باعتباره شأناً محلياً يخص تجار العاصمة...



