لماذا لا يجذب المغرب المتقاعدين المغاربة والأجانب؟
لا يشكل المغرب وجهة جذابة للمتقاعدين، سواء المغاربة المقيمين بالخارج أو المتقاعدين الأجانب، رغم موقعه الجغرافي الاستراتيجي، ومناخه المعتدل وتكلفة عيش أقل مقارنة بعدد من الدول الأوروبية.
حيث تشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد الأجانب المقيمين بالمغرب يناهز 148 ألف شخص، غير أن نسبة المتقاعدين منهم لا تتجاوز 2.2% حسب المندوبية السامية للتخطيط، أي حوالي 3200 متقاعد فقط. وهو رقم ضعيف جدا إذا ما قورن بدول مثل إسبانيا المستقبلة لأكثر من 400 ألف متقاعد أجنبي، أو البرتغال التي تحتضن حوالي 120 ألفا، أو المكسيك التي أصبحت واحدة من أكبر وجهات التقاعد في العالم.
و لأن التقاعد لم يعد مرحلة انسحاب أو عودة تلقائية إلى الوطن، بل أصبح قرارا عقلانيا تحكمه معايير دقيقة، على رأسها جودة الخدمات الصحية، والأمن القانوني، والبنية التحتية، وسهولة العيش اليومي. وهي عناصر جعلت دولا مثل إسبانيا والبرتغال وتايلاند وماليزيا وجهات مفضلة للمتقاعدين، لأنها وفرت بيئات مستقرة وموجهة خصيصا لهذه الفئة.
في مقابل ذلك، لا يزال المغرب يفتقر إلى عرض متكامل يستجيب لهذه المتطلبات، وهو ما يفسر ضعف جاذبيته في هذا المجال.
المنظومة الصحية العقبة الأولى
تشكل الصحة العامل الحاسم في قرار التقاعد. فالمتقاعد غالبا ما يحتاج إلى متابعة طبية مستمرة، ونظام صحي موثوق بتكلفة يمكن التحكم فيها. غير أن منظومتنا الصحية تعاني من اختلالات كثيرة، سواء في القطاع العمومي الذي يواجه ضغطا كبيرا وضعفا في الموارد، أو في القطاع الخاص الذي يبقى مرتفع التكلفة وغير منظم بالشكل الكافي.
إضافة إلى غياب تأمين صحي واضح ومخصص للمتقاعدين القادمين من الخارج يزيد من ترددهم في اختيار المغرب كوجهة استقرار نهائي.
إلى جانب الصحة، تلعب جودة العيش دورا مركزيا في قرار المتقاعد، لأنه يبحث عن بيئة منظمة، نقل مريح، فضاءات عمومية، خدمات قريبة، وإدارة بسيطة. غير أن التفاوت المجالي الكبير، وضعف الخدمات في عدد من المدن، وغياب سياسات حضرية موجهة لكبار السن،
أما بخصوص الأمن القانوني في شكل عنصرا أساسيا في قرار التقاعد. إلا أن تعقيد المساطر الإدارية، واستمرار النزاعات العقارية، وضعف الثقة في الإدارة، تشكل عوامل طاردة للمتقاعدين، سواء المغاربة أو الأجانب. فالمتقاعد يبحث عن الطمأنينة والاستقرار، لا عن الدخول في مساطر طويلة ومعقدة.
لكن اللافت أن أكثر من نصف مغاربة أوروبا في سن التقاعد لا يختارون العودة للاستقرار بالمغرب. كما أن عدد المعاشات المحولة من دول كبرى مثل الولايات المتحدة لا يتجاوز 530 معاشا فقط، وهو رقم صادم إذا ما قورن بحجم الجالية المغربية هناك، أو بالمقارنة مع دول أوروبية تستقبل عشرات الآلاف من معاشات المتقاعدين الأجانب سنويا.
هذا الواقع يؤكد أن ضعف الجاذبية لا يرتبط بالانتماء، بل بغياب شروط الثقة والاستقرار.
وإذ تُبرز هذه المؤشرات أن المغرب لم يدخل بعد مجال “اقتصاد التقاعد”، الذي أصبح رافعة اقتصادية حقيقية في عدد من الدول، حيث يساهم المتقاعدون في تحريك الاستهلاك، ودعم الاقتصاد المحلي، وأداء الضرائب، دون الضغط على سوق الشغل.
ذلك أن عدم جذب المغرب للمتقاعدين المغاربة والأجانب يعود إلى غياب رؤية متكاملة للتقاعد كخيار استراتيجي. فبدون إصلاح حقيقي للمنظومة الصحية، وتحسين جودة العيش، وتبسيط الإدارة، وضمان الأمن القانوني، سيظل المغرب وجهة للزيارة المؤقتة، لا بلدا للاستقرار في مرحلة التقاعد.




















Discussion about this post