ودائع مغاربة العالم تتجاوز 200 مليار درهم.. قراءة نقدية في تطور الودائع البنكية بالمغرب

ودائع مغاربة العالم تتجاوز 200 مليار درهم.. قراءة نقدية في تطور الودائع البنكية بالمغرب
أثار محلل الأداء يوسف سعود، عبر صفحته الرسمية على موقع فايسبوك، نقاشاً لافتاً حول تطور الودائع البنكية بالمغرب، سواء من حيث الحجم أو من حيث وتيرة النمو السنوي، وذلك استناداً إلى النشرة الشهرية للإحصائيات النقدية الصادرة عن بنك المغرب إلى غاية متم نونبر 2024.
وتكشف هذه المعطيات أن ودائع مغاربة العالم تشكّل عنصراً حاسماً في توازن النظام البنكي، رغم أن عددهم في سن العمل لا يتجاوز ثلاثة ملايين شخص. إذ تمثل ودائعهم حوالي 25 في المائة من ودائع الأسر، بما يفوق 200 مليار درهم، وهو رقم يفسّر جزءاً مهماً من استقرار السيولة البنكية خلال السنوات الأخيرة.
في المقابل، يضع مغاربة الداخل، الذين يفوق عددهم 25 مليون نسمة، ما يقارب 700 مليار درهم في البنوك، أي حوالي 75 في المائة من ودائع الأسر. هذه المعادلة تبرز مفارقة واضحة. فحسب سعود أقلية ديمغرافية تمتلك وزناً مالياً مؤثراً، مقابل أغلبية سكانية يعتمد عليها النظام البنكي في الاستهلاك والسحب المتكرر.
ووفق المعطيات الرسمية، بلغ إجمالي الودائع البنكية بالمغرب أزيد من 1.225 مليار درهم إلى حدود نهاية نونبر 2024، مسجلاً نمواً سنوياً يفوق 7 في المائة. غير أن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن بنيتها تخفي حقيقة مقلقة، إذ إن هذا النمو لا يعكس بالضرورة تحسناً في النشاط الاقتصادي، بقدر ما يعكس تصاعد ثقافة الادخار وتجميد الأموال داخل البنوك.

الأكثر دلالة هو الارتفاع القوي في الودائع لأجل خلال سنة 2024، كما يبيّنه منحنى تطور الودائع البنكية. ويعني هذا التحول أن جزءاً متزايداً من المودعين، وفي مقدمتهم مغاربة العالم، يفضّلون تجميد مدخراتهم مقابل عائد محدود، بدل توجيهها نحو الاستثمار أو المبادرة الاقتصادية. وهي رسالة غير مباشرة تفيد بأن الثقة في الادخار البنكي أصبحت أعلى من الثقة في مناخ الاستثمار.
وتزداد المفارقة وضوحاً حسب سعود حين يصدر هذا السلوك عن مهاجرين يقيمون في دول ذات أنظمة بنكية متقدمة مثل فرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة. فرغم ذلك، يختار عدد كبير منهم إيداع أموالهم في البنوك المغربية. في المقابل، يلجأ بعض المقيمين داخل المغرب إلى تحويل أو تهريب أموالهم نحو الخارج، خاصة فرنسا، التي تحوّلت إلى ملاذ مالي لرساميل أجنبية ومحلية، ما يكشف خللاً بنيوياً في توزيع الثقة بين الداخل والخارج.
لكن الإشكال الأخطر يضيف سعود لا يرتبط فقط بحجم الودائع، بل بهشاشة التوازن الذي يقوم عليه النظام البنكي المغربي. فودائع مغاربة العالم تُعد من أكثر الودائع استقراراً، ونادراً ما تُسحب بوتيرة مرتفعة. إلا أن أي اهتزاز مفاجئ في ثقة هذه الفئة، نتيجة ظرف دولي أو قرار ضريبي أو توتر سياسي، قد يؤدي إلى سحب جماعي للأموال، وهو سيناريو من شأنه إحداث صدمة سيولة، وتعطيل تمويل المشاريع، وممارسة ضغط مباشر على سعر صرف الدرهم.
لكن رغم هذا الثقل المالي، لا تزال هذه الودائع تُستعمل في الغالب لتمويل استهلاكي محدود أو لاقتناء سندات آمنة، بدل توجيهها نحو الاستثمار المنتج. فالبنوك المغربية، باعتبارها أكبر مؤسسات تمويل الاقتصاد الوطني، لم تنجح بعد في تحويل هذه الكتلة النقدية الضخمة إلى رافعة فعلية للتنمية، خصوصاً لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة أو مشاريع مغاربة العالم.
تكشف ودائع مغاربة العالم عن مفارقة مزدوجة، فهي من جهة صمام أمان أساسي للاقتصاد المغربي، ومن جهة أخرى مصدر هشاشة كامنة. فالاقتصاد الذي يراكم الودائع دون أن يراكم الاستثمار، يحقق أرقاماً مطمئنة على الورق، لكنه يظل ضعيف المناعة. لكن ماذا سيحدث إن قرر أصحاب تلك الودائع سحبها؟
شارك المقال

وزير الصحة يكشف نصيب جهة الشمال من إطلاق 67 مركزا صحيا جديدا بالمغرب
ECCEE étend ses activités au Maroc et mise sur la formation de pointe

مقالات ذات صلة
تحليل.. هذا رأي خبير سياسي في خطاب الملك محمد السادس حول الرسائل الموجهة إلى إسبانيا
قدّم الباحث والخبير السياسي خالد البكاري قراءة لخطاب الملك محمد السادس، ركّز فيها على الفقرة المتعلقة بالهجرة، معتبرا أنها حملت إشارات تهدئة موجهة أساسا إلى إسبانيا والاتحاد الأوروبي، وحصرت الأزمة...
إدريس الكنبوري: خروج الأحرار إلى المعارضة.. هندسة سياسية لمنع “البيجيدي” من رئاسة لجنة التشريع؟
يرى الدكتور إدريس الكنبوري أن خروج التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد قرار حزبي أو نتيجة لخلاف مع حزب الأصالة والمعاصرة بشأن المشاركة في الحكومة، بل...
انتخابات شفشاون.. معجزات تثير الشبهات
في زمن العزوف الانتخابي، وحيث لم تتجاوز نسبة المشاركة الوطنية في استحقاقات 2026 حاجز 38 في المائة، طفت على السطح ظاهرة غريبة في بعض مكاتب التصويت بالعالم القروي، ظاهرة لا...



