ميناء الداخلة الأطلسي.. حين تتحول الجغرافيا إلى رافعة للاقتصاد الأزرق والانفتاح على إفريقيا

مع مرور السنوات على تشغيله؛ لم يعد ميناء الداخلة الأطلسي مجرد مشروع لتطوير البنية التحتية المينائية.. بل رهانا على تحويل الموقع الجغرافي للداخلة إلى قوة اقتصادية ولوجستيكية، وتعزيز حضور المغرب على الواجهة الأطلسية وبوابته نحو إفريقيا. ويأتي المشروع ضمن رؤية أوسع لتثمين الاقتصاد الأزرق ودعم المبادلات والانفتاح على الأسواق الإفريقية.
فكيف يمكن لهذا الميناء أن يعيد تموقع الداخلة والمغرب داخل الخريطة الاقتصادية الأطلسية والإفريقية؟ وما الدور الذي يمكن أن يضطلع به في تعزيز الانفتاح الاقتصادي على القارة؟ أسئلة يجيب عنها في هذا الحوار هشام حافظ، أستاذ باحث بمعهد الدراسات الإفريقية- بجامعة محمد الخامس بالرباط، نستقرئ معه رهانات المشروع وآفاقه.
ميناء الداخلة الأطلسي.. تحول الوظيفة الاقتصادية للداخلة
س : إلى أي حد يمكن لميناء الداخلة الأطلسي أن يغير موقع الداخلة داخل الخريطة الاقتصادية الوطنية؟
يمكن القول إن ميناء الداخلة الأطلسي يكتسي طابعا استثنائيا مقارنة بباقي الموانئ المغربية، إذ يجسد الانتقال من النظرة التقليدية للميناء باعتباره مجرد مرسى للسفن ومحطة لتفريغ البضائع، إلى تصور حديث ينظر إليه كمنظومة اقتصادية متكاملة قادرة على إحداث تحولات هيكلية في المنطقة والتوازن المجالي والاقتصادي للمملكة.
ويمنحه موقعه على الواجهة الأطلسية، مقابل السواحل الإفريقية والأمريكية، ميزة جغرافية تسمح بتطوير أنشطة متنوعة تشمل الصناعات التحويلية، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة، والصيد البحري المتطور.
وتاريخيا، ظلت جهة الداخلة- وادي الذهب، منذ 1975 إلى حدود تفعيل ورش الجهوية الموسعة، منطقة تعتمد أساسا على الصيد التقليدي، بعيدة عن الثقل الاقتصادي الوطني.
لكن المشروع الجديد يمكن أن يحولها إلى قطب لوجستي وصناعي، عبر ثلاثة مسارات رئيسية: ربط الجنوب بالشمال بشبكات برية وبحرية متطورة، بما ينهي عزلته النسبية ويدمجه في الفضاء الاقتصادي الوطني والدولي؛ استقطاب استثمارات كانت تتردد بسبب غياب ميناء عميق وبنية تحتية ملائمة؛ وتخفيف الضغط عن ميناء الدار البيضاء عبر إعادة توزيع جزء من حركة الاستيراد والتصدير نحو الجنوب.
وبذلك، يمكن أن يتحول الميناء من منشأة بحرية إلى محور تنموي يعيد تعريف موقع الأقاليم الجنوبية في الخريطة الاقتصادية للمغرب، ويفتح آفاقا أوسع للتعاون مع الدول الإفريقية المطلة على الأطلسي ودول الساحل.
س : ما الأنشطة الاقتصادية التي يمكن أن تنشأ حول الميناء، وما القيمة المضافة التي يمكن أن يخلقها للمنطقة؟
لن يقتصر دور الميناء على النقل والتفريغ، بل يمكن أن يشكل نواة لمنظومة صناعية وخدمية متكاملة، تضم الصناعات السمكية التحويلية. وذلك بما يسمح بالانتقال من تصدير المنتجات البحرية الخام إلى التعليب والتصنيع والتسويق؛ والصناعات الفوسفاتية ومشتقاتها، مستفيدة من قرب المنطقة من مناجم بوكراع. إضافة إلى الخدمات اللوجستية، من تخزين وتبريد وصيانة وإصلاح السفن ومناولة الحاويات.
كما تؤهل الإمكانات الريحية والشمسية للمنطقة لاستقبال مشاريع كبرى في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، بما يوفر طاقة نظيفة وتنافسية للصناعة ويعزز موقع المغرب في تحول الطاقة.
وسيسمح هذا التحول برفع القيمة المضافة للصيد البحري، وخلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، سواء خلال البناء والتشييد أو في التشغيل والصيانة والخدمات المساندة، بما ينعكس على المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة.
س : هل يمكن أن يشكل الميناء نقطة انتقال من اقتصاد قائم على استغلال الموارد إلى اقتصاد أكثر تنوعا وتكاملا؟
بكل تأكيد، إذ يمثل الميناء نقطة تحول من اقتصاد استخراجي يعتمد على تصدير المواد الخام إلى اقتصاد منتج ومحول ومدمج في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية.
غير أن التحول الحقيقي يكمن في التكامل بين القطاعات وليس فقط في إضافة أنشطة جديدة.
فصناعة الأسمدة، مثلا، يمكن أن تستفيد من الفوسفات المحلي والطاقة المنتجة في المنطقة لتزويد الفلاحين في المغرب ودول الساحل بمدخلات زراعية تنافسية. فيما تضمن الخدمات اللوجستية نقل هذه المنتجات إلى الأسواق المستهدفة. وهكذا تتكامل الصناعة والطاقة واللوجستيك والفلاحة ضمن منظومة واحدة تخلق قيمة مضافة متصاعدة.
كما يمكن للميناء أن يدعم نقل التكنولوجيا والخبرات، وتكوين الكفاءات الإفريقية في المهن البحرية واللوجستية، وإقامة مشاريع مشتركة مع دول غرب إفريقيا في مجالات الصحة والتعليم والسياحة والصيد والنقل. وذلك بما يرسخ التعاون جنوب-جنوب على أساس الشراكات الإنتاجية وبناء القدرات.
وسيؤدي هذا التكامل إلى ظهور صناعات وسيطة ومغذية، واستقطاب شركات تبحث عن الطاقة النظيفة والبيئة الاستثمارية المستقرة، إلى جانب تطوير خدمات ذات قيمة مضافة في النقل البحري والتجارة الدولية، كالتخزين الذكي والتبريد وصيانة السفن والخدمات المالية والتأمينية والتمويل التجاري.
ميناء الداخلة والاقتصاد الأزرق.. من منشأة للنقل إلى منظومة اقتصادية بحرية
س : ما الفرص التي يمكن أن يفتحها الميناء أمام الاقتصاد الأزرق، خصوصا في الصيد البحري وتثمين المنتجات البحرية والصناعات المرتبطة بالبحر؟
يشكل الاقتصاد الأزرق أحد أسس التحول الصناعي الذي يطمح إليه المغرب، خاصة أن الداخلة تتوفر على مؤهلات بحرية وسمكية كبيرة. لكنها ظلت لعقود تعتمد بدرجة واسعة على الصيد المباشر وتصدير المنتجات الخام.
ومع دخول الميناء إلى الخدمة، يمكن إعادة هيكلة الاقتصاد الأزرق عبر تطوير الصناعات التحويلية والخدمات البحرية ذات القيمة المضافة، مثل التخزين والتبريد وصيانة وإصلاح السفن والخدمات المالية والتأمينية المرتبطة بالشحن.
ولا تقتصر آثار هذا التحول على الجانب الاقتصادي، بل تشمل الأبعاد الاجتماعية والبيئية والجيوستراتيجية. فعلى المستوى الاجتماعي، سيساهم في خلق وظائف مستقرة والحد من هجرة الكفاءات، وتحسين استقرار الأسر التي تعتمد على الصيد التقليدي والموسمي. فضلا عن تشجيع مشاريع صغرى ومتوسطة في تجهيز المنتجات البحرية.
كما يمكن أن يساهم في تقليص الفجوة التنموية بين الأقاليم الجنوبية وباقي جهات المملكة، وتعزيز قدرة الجهة على بناء أدواتها التنموية الخاصة.
وعلى المستوى الجيوستراتيجي، سيعزز تطوير الاقتصاد الأزرق حضور المغرب في قضايا قانون البحار وحماية البيئة البحرية ومكافحة الصيد غير القانوني. ويمكن أن يدعم تقديمه كنموذج للتنمية البحرية المستدامة، فضلا عن تعزيز التعاون مع دول غرب إفريقيا عبر نقل الخبرات وتكوين الكفاءات وإقامة المشاريع المشتركة.
س : كيف يمكن أن يساهم الميناء في جذب استثمارات جديدة مرتبطة بالاقتصاد البحري؟
يراهن المغرب على الميناء لإعادة تعريف موقع الأقاليم الجنوبية على الخريطة الاقتصادية الوطنية والقارية، عبر استقطاب استثمارات أجنبية في الاقتصاد البحري والقطاعات المرتبطة به. فهذه الاستثمارات لا توفر رؤوس الأموال فقط، بل تساهم في نقل التكنولوجيا وخلق فرص الشغل والانخراط في سلاسل القيمة العالمية والإقليمية.
لكن جذب الاستثمارات المنتجة لا يرتبط فقط بالمزايا الضريبية والتحفيزات المالية، بل يتطلب إطارا قانونيا ومؤسساتيا ملائما، ومناخا أمنيا وسياسيا مستقرا، واستراتيجية تسويقية تستهدف المستثمرين في القطاعات البحرية الواعدة، بما يجعل الداخلة وجهة تنافسية للاستثمار البحري.
الداخلة كبوابة اقتصادية نحو إفريقيا
س : ما الذي يمكن أن يضيفه ميناء الداخلة الأطلسي إلى الحضور الاقتصادي للمغرب في إفريقيا، خصوصا في الدول المطلة على الأطلسي؟
يمثل الميناء مشروعا استراتيجيا يجسد توجه المغرب نحو تعزيز التعاون جنوب-جنوب، ويتيح بناء بوابة اقتصادية تربطه بدول غرب إفريقيا ومنطقة الساحل.
وباستثمارات تفوق 13 مليار درهم، ومع تجاوز نسبة إنجاز الأشغال 50%، يمكن للمشروع أن يساهم في تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي، والتعامل مع قضايا استراتيجية مثل الأمن الغذائي والطاقي، ودعم قطاعات الصحة والخدمات الاجتماعية.
ويندرج ذلك ضمن المبادرة الملكية الرامية إلى تسهيل ولوج دول الساحل، مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، إلى المحيط الأطلسي، بما ينقل العلاقات المغربية الإفريقية من التجارة والتحويلات إلى شراكات إنتاجية وتنموية مستدامة.
س : هل يمكن للميناء أن يتحول إلى منصة لوجستية تعزز حضور المغرب في الأسواق الإفريقية والتعاون جنوب-جنوب؟
يمكن أن يتحول الميناء إلى منصة لوجستية متعددة الأبعاد، مستفيدا من موقعه الذي يجعله نقطة وصل بين أوروبا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، ومن الدعم السياسي والاستراتيجي الذي يحظى به ضمن الرؤية الملكية للنهوض بالأقاليم الجنوبية وتعزيز التعاون جنوب-جنوب.
لكن نجاحه كمنصة لوجستية قارية يتوقف على عوامل تتجاوز بناء الميناء نفسه، أبرزها الربط بشبكات نقل برية حديثة وآمنة نحو الداخل المغربي والإفريقي، وضمان الاستقرار الأمني والسياسي في منطقة الساحل، وتبسيط الإجراءات الجمركية وإنشاء أنظمة معلوماتية مشتركة لتسريع حركة البضائع وتقليص كلفتها.
فالربط البري، إلى جانب الميناء، هو ما سيمنحه القدرة على الوصول إلى الأسواق الداخلية الإفريقية والاستفادة من فرص منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
الرهانات المستقبلية
س : هل يمكن لميناء الداخلة الأطلسي أن يصبح محركا لإعادة تموقع الأقاليم الجنوبية اقتصاديا، وما أبرز تحديات تحقيق ذلك؟
يمكن للميناء أن يصبح محركا لإعادة تموقع الأقاليم الجنوبية، لكن تحويله إلى قطب اقتصادي متنوع ومتكامل يواجه تحديات مركبة تتعلق بالطبيعة الجغرافية والمناخية، والنسيج الاقتصادي والبشري المحلي. فضلا عن البيئة الجيوسياسية والإقليمية.
فالانتقال من اقتصاد استخراجي إلى اقتصاد صناعي وخدمي تنافسي يتطلب إعادة بناء المنظومة الاقتصادية والاجتماعية برمتها. ومن أبرز التحديات في هذا السياق:
تحدي الموارد البشرية والتكوين المهني: إذ تحتاج المنطقة إلى تأهيل اليد العاملة وتوفير كفاءات في التبريد الصناعي، والتثمين الغذائي، والميكانيكا والهندسة البحرية، واللوجستيك والطاقات المتجددة.
كما يتطلب الأمر استقطاب الكفاءات المغربية والأجنبية عبر توفير حوافز وخدمات أساسية ملائمة، من السكن إلى التعليم والصحة.
تحدي البنية التحتية والربط الإقليمي:
لن يستطيع الميناء أداء دور قاري دون شبكات نقل برية حديثة وآمنة نحو الداخل المغربي والإفريقي.
ويتطلب ذلك استثمارات ضخمة في الممرات التي تربط المنطقة بموريتانيا والسنغال ومالي ودول الساحل. فضلا عن تمويل دولي وتعاون سياسي وأمني لتأمين الممرات وتوحيد الإجراءات الجمركية، وهي تحديات قد تتجاوز القدرات المالية للدولة.
تحدي الحوكمة والتنسيق المؤسساتي:
يمس المشروع قطاعات متعددة، من الصيد والنقل والصناعة والفلاحة إلى الجمارك والبيئة والجماعات المحلية.
لذلك فإن ضعف التنسيق بينها قد يؤدي إلى تضارب القرارات وازدواجية المسؤوليات وتأخير الإنجاز. ويظل التنسيق المؤسساتي شرطا أساسيا لنجاح مشروع بهذا الحجم.
تحدي العدالة المجالية وتوزيع العوائد:
إن التحول التنموي الذي ستشهده الداخلة هو ثمرة استثمار وطني طويل، ساهمت فيه الدولة بمؤسساتها وميزانيتها وكفاءاتها وجهودها الدبلوماسية.
لذلك، وفي إطار الحكم الذاتي والاستقلال المالي للجهة، ينبغي أن لا تظل عوائد المشروع محصورة في الداخلة، بل أن تندرج ضمن المنفعة العامة الوطنية وتعود فوائدها على مختلف جهات المغرب، حتى لا يتحول المشروع إلى مصدر جديد للتفاوت المجالي، بل إلى رافعة للتكامل والتقارب الوطني.
شارك المقال

محطة تطوان تتصدر حركة المسافرين وطنيا بالتزامن مع موجة العبور الجماعي نحو سبتة
التعمير في المغرب.. نشر قانون الوكالات الحضرية الجهوية في الجريدة الرسمية

مقالات ذات صلة
الصحراء المغربية.. من رهانات التسوية السياسية إلى دينامية اقتصادية متصاعدة
منذ استرجاع الأقاليم الجنوبية، لم يقتصر مسار إدماجها في النسيج الوطني على تأهيل المجال وتوفير البنيات الأساسية، بل اتجه تدريجيا نحو بناء مقومات اقتصادية قادرة على تغيير موقع هذه الأقاليم...
طريق أزلا كابوس الصيف بتطوان
طريق أزلا كابوس الصيف بتطوان.. والمستشار بنونة يساءل مآل الميزانيات المرصودة رغم إدراجها ضمن البرامج التنموية ورصد اعتمادات مالية لإنجازها، لا تزال مشاريع فك الاختناق المروري بالمدخل الشرقي لمدينة تطوان...
مجلس جهة طنجة يطلق مشاريع كبرى في البيئة والرقمنة والصحة والرياضة
مجلس جهة طنجة يطلق مشاريع كبرى في البيئة والرقمنة والصحة والرياضة صادق مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة، اليوم الاثنين، على مجموعة من المشاريع التي تعكس توجهه نحو تسريع تنزيل...




