مقبرة الكلاب بطنجة… من وعاء عقاري مهدد إلى تراث وطني محمي بقوة القانون

مقبرة الكلاب بطنجة… من وعاء عقاري مهدد إلى تراث وطني محمي بقوة القانون
بقلم نور الدين التمسماني
تعتبر وضعية العقار الذي يضم “مقبرة الكلاب” (أو مقبرة الحيوانات الأليفة) بمنطقة بوبانة قرب نادي الغولف بطنجة، من أكثر الملفات العقارية إثارة للجدل في السنوات الأخيرة، حيث انتقلت من ملكية خاصة مهددة بمشاريع عقارية إلى إرث تاريخي محمي بقوة القانون.
الوضعية القانونية والملكية (تحول جذري)
من الملك الخاص إلى الملك العام: بعد سنوات من الجدل والغموض حول هوية المالك، قام المنعش العقاري “عيسى بن يعقوب”، بصفته الممثل القانوني للشركة التي كانت تملك الوعاء العقاري، بتقديم القطعة الأرضية (مساحتها حوالي 2380 متر مربع) كـهبة تامة لصالح جماعة طنجة في مارس 2023.
الهدف من الهبة:
قطع الطريق أمام أي محاولات لتحويلها إلى مجمع فيلات أو مشاريع إرشادية، وضمان إدراجها ضمن الأملاك الجماعية العامة.
التصنيف كتراث وطني (حماية الدولة)
قرار وزارة الثقافة: في تطور هام جداً، صدر في يناير 2024 (ونشر في الجريدة الرسمية في مارس 2024) قرار يقضي بتقييد مقبرة الحيوانات بطنجة ضمن قائمة التراث الأثري الوطني.
النتيجة القانونية:
هذا التصنيف يمنع منعاً كلياً أي تغيير في معالم الموقع أو هدمه أو البناء فوقه، ويجعل أي تدخل في العقار خاضعاً لترخيص مباشر من وزارة الثقافة والشباب والتواصل.
وضعية العقار في “تصميم التهيئة” الجديد
وفقاً لآخر التحديثات المتعلقة بتصميم تهيئة مقاطعة طنجة المدينة (الذي فتح فيه البحث العلني في فبراير 2026):
تم تثبيت المنطقة كـمرفق ثقافي وتراثي.
العقار يقع في منطقة حساسة بيئياً حيث يشقها جزء من “واد ليهود”، مما يجعلها تقنياً غير صالحة للبناء الكثيف أصلاً.
التوجه الحالي هو تحويل الموقع إلى منتزه سياحي وتاريخي مفتوح للعموم يبرز حقبة “طنجة الدولية”.
القيمة التاريخية : لماذا كل هذا الاهتمام؟
تعتبر هذه المقبرة الوحيدة من نوعها في إفريقيا وواحدة من أربع مقابر فقط في العالم (إلى جانب فرنسا، أمريكا، و جمهوريةالتشيك).
يعود تاريخ أول دفن فيها إلى سنة 1943، وتضم قبوراً لحيوانات تعود لشخصيات عالمية وأوروبية عاشت في طنجة إبان الفترة الدولية.
الخلاصة:
العقار الآن غير متاح للاستثمار العقاري أو البناء. لقد خرج نهائياً من دائرة “الأطماع العقارية” وأصبح تحت حماية ثلاثية: هبة قانونية للجماعة، تصنيف أثري من الوزارة، وتثبيت كمرفق عام في تصميم التهيئة.
و قد لعب المنعش العقاري عيسى بن يعقوب دوراً محورياً وحاسماً في إنقاذ عقار “مقبرة الكلاب” ببوبانة من شبح الزوال، وتحويله من أصل تجاري مهدد إلى إرث إنساني محمي.
دور عيسى بن يعقوب في إنقاد هذا العقار التاريخي : “المبادرة المنقذة”
التنازل الطوعي: برز اسم عيسى بن يعقوب بشكل إيجابي عندما قرر، بصفته الممثل القانوني للشركة المالكة للرسم العقاري، عدم المضي قدماً في أي مشروع بناء فوق تلك البقعة، رغم قيمتها المالية الكبيرة في منطقة “بوبانة” الراقية.
تقديم الهبة: قام بمبادرة تاريخية في مارس 2023، حيث قدم القطعة الأرضية التي تضم المقبرة كـ “هبة تامة لا رجعة فيها” لصالح جماعة طنجة. كانت هذه الخطوة هي الضمانة القانونية التي أخرجت العقار من ملكية القطاع الخاص (المعرضة للبيع والبناء) إلى الملك العام الجماعي (المخصص للمصلحة العامة).
الوساطة التراثية: ساهم من خلال موقفه في تسهيل مأمورية الجمعيات المدنية والسلطات المحلية لتصنيف الموقع، حيث لم يبدِ أي اعتراض قانوني على مسطرة التقييد في لائحة التراث الوطني التي باشرتها وزارة الثقافة.
من الناحية القانونية الصرفة، لم يعد عيسى بن يعقوب أو شركته يملكون أي سلطة قانونية على العقار لسببين:
انتقال الملكية: بموجب عقد الهبة الذي تمت المصادقة عليه، انتقلت “الرقبة” والحيازة القانونية إلى جماعة طنجة. المجلس الجماعي هو الآن “صاحب الملك” والمسؤول الأول عن تدبيره.
الوصاية الإدارية: بعد صدور قرار وزارة الثقافة في مارس 2024 بتقييد الموقع ضمن التراث الوطني، أصبح العقار تحت “وصاية” وزارة الثقافة. أي تدخل أو ترميم أو تغيير في معالم الموقع لا يمكن أن يتم إلا بترخيص من الوزارة، حتى لو كانت الجماعة هي المالكة.
يُشار إلى عيسى بن يعقوب اليوم في الأوساط الطنجاوية كـ “شريك مواطن” ساهم في الحفاظ على ذاكرة المدينة. انتهت صفته كـ “مالك” أو “منعش عقاري” لهذا العقار تحديداً، وبات دوره يقتصر على الرمزية التاريخية كونه الشخص الذي اتخذ القرار الجريء بوهب الأرض للمدينة بدل استغلالها في مشروع “فيلات” سكنية.
العقار اليوم هو ملك عمومي جماعي، محفظ ومقيد كتراث وطني، ولا صلة قانونية للمنعش العقاري عيسى بن يعقوب به في الوقت الراهن سوى فضل المبادرة الأصلية.
شارك المقال

“أنابيك” تعلن عن حملة تشغيل واسعة بقطاع البناء
طنجة تختنق مرورياً.. تشخيص شامل لأسباب أزمة السير بين الطفرة العمرانية وضعف البنية الطرقية

مقالات ذات صلة
أستاذ جامعي يكتب: نقد حصيلة المجالس الترابية 2021 ـ2027
مقدمة في نقد تقييم تدبير الشأن الترابي – حصيلة المجالس الترابية أنموذجا – ما من شك أنه ابتداء من مطلع نهاية الفترة الانتدابية للمجالس الترابية يكثر الحديث عن حصيلة هذه...
جديد جواز السفر المغربي… إقرار تغييرات بعد المصادقة على مشروع مرسوم
جديد جواز السفر المغربي… إقرار تغييرات بعد المصادقة على مشروع مرسوم يشهد جواز السفر المغربي تغييرات جديدة ابتداء من شهر غشت المقبل، بعدما أقر مجلس الحكومة مشروع المرسوم رقم...
المدرب “الميكروب” يتفوق على وهبي في مباراة ربع النهائي بين فرنسا والمغرب
لم تكن هزيمة المنتخب الوطني المغربي بالطريقة التي شاهدناها أمام فرنسا وليدة اختيارات بشرية أو تكتيكية خاطئة اتخذها الناخب الوطني محمد وهبي في ظروف مريحة، لنقع في فخ لوم “التشكيلة”...






