القائمة

مصطفى بن عبد الغفور يكتب الرخص التجارية.. حين ينتقل المشكل من مدينة إلى أخرى ويبقى التاجر في قاعة الانتظار

بقلم
مصطفى بن عبد الغفور
آخر تحديث: 21 أغسطس 2026 الساعة 12:28 صباحًا
مصطفى بن عبد الغفور يكتب الرخص التجارية.. حين ينتقل المشكل من مدينة إلى أخرى ويبقى التاجر في قاعة الانتظار
مصطفى بن عبد الغفور يكتب الرخص التجارية.. حين ينتقل المشكل من مدينة إلى أخرى ويبقى التاجر في قاعة الانتظار

رغبة مني في مشاركة الإخوة هذا النقاش، باعتبارنا كتجار ومهنيين معنيين جميعاً بهذا الملف، أعتقد أن ما يجري اليوم بالرباط لا ينبغي التعامل معه باعتباره شأناً محلياً يخص تجار العاصمة وحدهم، لأن الإشكال نفسه سبق أن ظهر بمدن أخرى، وقد ينتقل غداً إلى مدينة جديدة.

وبداية، لا بد من كلمة إنصاف وتقدير.
الشكر للإخوة في التنظيمات المهنية بالرباط على تحركهم ودفاعهم عن المهنيين، والتقدير لغرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الرباط–سلا–القنيطرة على مبادرتها وفتحها باب المساعدة أمام التجار.

والتقدير نفسه لغرفة الدار البيضاء، وقبل الجميع لتجارب ومبادرات سابقة عرفتها مدن أخرى، ولوزارة الصناعة والتجارة التي بذلت مجهوداً مهماً في هذا الملف، وكان للسيد الوزير موقف واضح في الدعوة إلى الحوار والبحث عن حلول عملية ومنصفة.

فالقضية أكبر من أن تتحول إلى منافسة حول من تحرك أولاً ومن ينسب الحل لنفسه.
طنجة جربت الشباك منذ 2022… فماذا كانت النتيجة؟
للتذكير فقط، وليس للمزايدة، فإن غرفة التجارة والصناعة والخدمات بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة كانت قد دشنت في 16 يونيو 2022 مكتب المنصة الرقمية للشباك الوحيد لتدبير الرخص التجارية والاقتصادية، وانطلقت خدماته الفعلية لاستقبال ومعالجة الطلبات يوم 20 يونيو 2022، في إطار تعاون مع جماعة طنجة.

يومها استقبل المهنيون المبادرة بكثير من الأمل، واعتقد البعض أننا أصبحنا أمام الحل الذي سينهي معاناة التجار مع مساطر الترخيص.
لكن بعد انطفاء أضواء الافتتاح والكاميرات، ظهر أن الشباك وحده لا يستطيع حل مشكلة توجد في أصل المسطرة وشروطها والوثائق المطلوبة لتنفيذها.

تحولت الغرفة عملياً إلى وسيط يستقبل المهني ويساعده على وضع الملف، بينما القرار والتنفيذ يظلان بيد الجهات صاحبة الاختصاص.
وهكذا أصبح التاجر يتردد على الغرفة باحثاً عن جواب، والغرفة نفسها لا تستطيع أن تمنحه جواباً نهائياً عن ملف لا تملك سلطة البت فيه.
وهنا بيت القصيد.

مشكلتنا ليست في مكان إيداع الملف، وإنما في الملف نفسه.
لا نريد أن تتحول الغرف إلى قاعات انتظار
إن فتح الشبابيك داخل الغرف مبادرة محمودة إذا كانت ستقرب الإدارة من المهني وتيسر المساطر.

لكن لا ينبغي أن تتحول غرف التجارة، وهي المؤسسات الدستورية الممثلة للمهنيين، إلى مجرد فضاءات لاستقبال ملفات لا تعرف متى ستتم معالجتها ولا كيف سيكون مآلها.
لأن المشكل الذي واجهناه في طنجة لم يكن فقط تقنياً.

المشكل كان، وما يزال في تقديرنا، مرتبطاً بثقل الوثائق المطلوبة، وعدم التمييز بشكل واضح وعملي بين الأنشطة الخاضعة للترخيص وتلك التي يكفي فيها التصريح، وبالوضعية الخاصة للمحلات القديمة التي تمارس نشاطها منذ سنوات طويلة وتتوفر على وثائقها التجارية والجبائية.

وهنا يطرح سؤال جوهري:
هل من العدل أن نضع تاجراً يزاول نشاطه في محل منذ عشرات السنين في الوضعية نفسها لشخص يريد فتح محل جديد اليوم، ونطالبه بوثائق وشروط تعميرية مستجدة لم تكن قائمة عندما بدأ نشاطه؟

إن تطبيق شروط جديدة دون مراعاة الوضعيات القديمة والمكتسبة هو الذي وضع آلاف المهنيين أمام مأزق يصعب عليهم الخروج منه.
ماذا وقع لمخرجات حوار مراكش؟
وللإنصاف أيضاً، فإن التنسيقية والتنظيمات المهنية قامت بمجهودات كبيرة، وفتحت حوارات متعددة مع مختلف الأطراف.

كما أن وزارة الصناعة والتجارة تفاعلت مع انشغالات المهنيين، وكان اللقاء الذي عرفه المنتدى الثاني بمراكش محطة مهمة، حيث جرى بحضور ممثلين عن القطاعات المعنية طرح ضرورة تفعيل العمل بالتصريح، وتخفيف الوثائق المطلوبة للترخيص إلى الحد الضروري، ومراجعة متطلبات المنصة، وإعفاء الأنشطة التي لا تستوجب طبيعتها ترخيصاً مسبقاً.

لذلك يحق لنا اليوم أن نسأل بهدوء ومسؤولية:
أين وصلت هذه الخلاصات؟
وهل انتقلت إلى المصالح الترابية لتطبيقها بشكل موحد؟
أم أننا سنبقى أمام معالجة تختلف من مدينة إلى أخرى ومن جهة إلى أخرى، ليعود الملف كل مرة من باب جديد؟
المشكلة تتوقف قليلاً… ثم تسافر إلى مدينة أخرى
هذا هو أكثر ما يقلقنا.

كلما ارتفع صوت المهنيين تبدأ الاجتماعات، وتفتح أبواب الحوار، وتقدم الوعود، ويهدأ الملف قليلاً…
ثم لا يلبث أن يظهر من جديد في مدينة أخرى.
طنجة، الدار البيضاء، الرباط… وغداً ربما مدينة أخرى.
وكأننا لا نعالج أصل المرض، وإنما ننقل الألم من مكان إلى آخر.

ولهذا فالمطلوب اليوم ليس المزيد من الحلول المحلية المؤقتة، وإنما حل وطني واضح وموحد ومستدام، يحدد بدقة الأنشطة الخاضعة للترخيص، والأنشطة الخاضعة للتصريح، ويضع معالجة عادلة للوضعيات القديمة، ويراجع الوثائق والشروط التي أثبت الواقع صعوبة أو استحالة توفيرها بالنسبة إلى آلاف المحلات القائمة.

والسؤال المؤلم: هل بقي في التجار نفس طويل للنضال؟
أطرح هذا السؤال لأنني عشت، كما عاش كثير من المهنيين، محطات كان فيها التاجر المغربي قادراً على التعبئة والدفاع عن مصالحه.

نتذكر جيداً معركة المادة 145 مكرر، ونتذكر التعبئة المهنية الواسعة، كما نتذكر حملة المقاطعة وما أظهرته من قدرة المجتمع والمهنيين على الاحتجاج عندما يشعرون بأن الخطوط الحمراء قد تم تجاوزها.
لكن وضع التاجر اليوم مختلف.

سنوات من الأزمات، وتراجع القدرة الشرائية، والمنافسة، وارتفاع التكاليف، وتراكم الالتزامات، والضغط الجبائي والاجتماعي… أنهكت جزءاً كبيراً من تجارة القرب.
وأخشى أن تكون بعض مقاولاتنا الصغيرة قد تحولت بالفعل إلى مشاريع مفلسة تتردد فقط في الإعلان عن رفع راية الاستسلام.
وهنا تكمن الخطورة.

لأن إنهاك التاجر الصغير لا يعني إفلاس شخص واحد، بل يعني إغلاق محل، وضياع فرصة شغل، وإضعاف حي، وتراجع خدمة القرب، وإفساح المزيد من المجال أمام نموذج تجاري تتركز فيه السوق تدريجياً في يد المساحات الكبرى والشركات والاستثمارات القوية.

لسنا ضد الاستثمار، ولا ضد المساحات الكبرى، ولا ضد تحديث التجارة.
لكننا ضد أن يكون تحديث التجارة مرادفاً لإعدام تجارة القرب.
فالأسرة المغربية تحتاج إلى الاثنين، والاقتصاد الوطني يتسع للجميع.
المطلوب اليوم ليس معركة بين التنظيمات

لهذا أقول للإخوة في مختلف التنظيمات المهنية: لا تجعلوا هذا الملف سبباً للتفرقة.
لا يهم من سبق إلى الاجتماع، ومن فتح الشباك، ومن أصدر البيان الأول، ومن ظهر أمام الكاميرا.
التاجر الذي ينتظر مصير محله لا يعنيه ذلك كله.
ما يعنيه هو:
هل سيستطيع غداً فتح متجره والعمل بكرامة وأمان قانوني، أم سيظل مهدداً في كل لحظة بوثيقة قد يعجز أصلاً عن الحصول عليها؟

مبادرة غرفة الرباط تستحق الدعم والتقدير، مثلما استحقت المبادرات السابقة التقدير، لكن تجربة طنجة تعلمنا درساً مهماً:
لا يكفي أن ننقل الملف من الجماعة إلى الغرفة؛ المطلوب أن ننقل المشكل من خانة التدبير المؤقت إلى خانة الحل النهائي.

وذلك لن يتحقق إلا بحوار وطني جاد يجمع وزارة الداخلية ووزارة الصناعة والتجارة والجماعات الترابية والغرف والتنظيمات المهنية، وينتهي بقرارات واضحة وموحدة وقابلة للتطبيق في طنجة كما في الرباط والدار البيضاء ومراكش وباقي مدن المملكة.

لأن تجارة القرب لم تعد تتحمل جولة جديدة من الانتظار.
فإما أن ننقذ ما تبقى منها اليوم، أو قد نستيقظ غداً لنكتشف أن كثيراً من تجارنا لم يعودوا ينتظرون الترخيص… لأنهم أغلقوا محلاتهم أصلاً.

مصطفى بن عبد الغفور كاتب المقال
مصطفى بن عبد الغفور مستشار بالغرفة الجهوية للتجارة والصناعة والخدمات لجهة طنجة تطوان الحسيمة

 

شارك المقال

مقالات ذات صلة

مصطفى الفن: ست سنوات على “اتفاقات أبراهام”.. ماذا جنت الدول العربية المطبّعة غير الخيبات؟
تحليلات و آراء

مصطفى الفن: ست سنوات على “اتفاقات أبراهام”.. ماذا جنت الدول العربية المطبّعة غير الخيبات؟

بعد نحو ست سنوات على توقيع اتفاقات أبراهام بين إسرائيل وعدد من الدول العربية برعاية أمريكية، تعود النقاشات حول حصيلة هذه الاتفاقات وحدود ما حققته للدول الموقعة عليها، في ظل...

1 دقيقة للقراءة
زيادة جديدة في أسعار المحروقات في المغرب.. وخبير اقتصادي يحذر من كارثة اقتصادية
تحليلات و آراء

زيادة جديدة في أسعار المحروقات في المغرب.. وخبير اقتصادي يحذر من كارثة اقتصادية

أثارت الزيادة الجديدة في أسعار المحروقات بالمغرب موجة واسعة من الاستنكار بعدما بلغ سعر اللتر الواحد للغازوال 15 درهما، وقد اعتبر متابعون هذه الزيادة بمثابة “صب الزيت على النار”، في...

1 دقيقة للقراءة
ورقة ضغط سياسية وتعقيدات قانونية.. لماذا تفشل إسبانيا في ترحيل القاصرين المغاربة؟
أخبار السياسة

ورقة ضغط سياسية وتعقيدات قانونية.. لماذا تفشل إسبانيا في ترحيل القاصرين المغاربة؟

أعاد النقاش الدائر حول أزمة القاصرين المغاربة غير المرفوقين الذين عبروا إلى سبتة يومي 30 و31 يوليوز الماضي تسليط الضوء على التعقيدات الخفية التي تمنع حل هذا الملف الشائك. وفي...

1 دقيقة للقراءة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × اثنان =