التجارة الداخلية بالمغرب بين خطاب الإصلاح ومنطق الإقصاء الصامت

التجارة الداخلية بالمغرب بين خطاب الإصلاح ومنطق الإقصاء الصامت
انتقد الكاتب الجهوي للفضاء المغربي للمهنيين مصطفى بن عبد الغفور في تدوينة على صفحته بموقع فايسبوك الممارسات الميدانية التي طالت التجار الصغار بعدد من جهات المملكة عقب إغلاق محلاتهم بدعوى أنها غير متوفرة على تراخيص عبر منصة “رخص”، وعدها تتناقض بشكل صارخ مع الخطاب الرسمي الذي يتبنى منطق الإصلاح، وفي مايلي نعيد نشر التدوينة تعميما للفائدة مع عموم قراء صحيفة إيكوبريس الإلكترونية.
بقلم مصطفى بن عبد الغفور
بينما يستعد وزير الصناعة والتجارة رياض مزور لعقد المنتدى الوطني الثاني للتجارة الداخلية في أفق “رؤية 2030”، يتابع آلاف التجار الصغار بقلق ما يجري على الأرض: حملات مراقبة مكثفة، إغلاق محلات، وتشديد في مساطر التراخيص… في مشهد يوحي بأن الإصلاح يُدار بمنطق الردع بدل المواكبة.
المفارقة الصارخة أن الدولة، حين أرادت النهوض بقطاعات استراتيجية، لم تلجأ إلى المقاربة الزجرية، بل اختارت الاستثمار والدعم والتأهيل:
في الفلاحة، أطلقت مخطط المغرب الأخضر، فواكبت الفلاح الصغير قبل الكبير، ووفرت له أدوات الاندماج والتحديث.
في الصناعة، اعتمدت برنامج الإقلاع الصناعي، فدعمت المقاولة وخلقت بيئة تنافسية محفزة.
وفي السياحة، جاء المغرب الأزرق كتصور استراتيجي لتأهيل القطاع وتوسيع عرضه.
أما في التجارة؟
فلا أثر لبرنامج وطني واضح لتأهيل تجارة القرب، ولا رؤية مندمجة لدمج التاجر الصغير في التحولات الاقتصادية. بل على العكس، ما يطفو اليوم هو تضييق إداري متزايد، وتعقيد في المساطر، وتسليط رقابة قانونية تُفعّل في كثير من الأحيان بشكل فجائي وانتقائي.
الأخطر من ذلك، أن هناك خلطاً واضحاً بين ما يخضع للتصريح وما يخضع للترخيص. فعدد من الأنشطة، خصوصاً في قطاع المواد الغذائية، لا تتطلب سوى التصريح، ومع ذلك تُعامل وكأنها في وضعية مخالفة جسيمة، تصل حد الإغلاق الفوري، دون إنذار، ودون منح آجال معقولة لتسوية الوضعية.
أي منطق هذا الذي يُغلق محلات قائمة منذ سنوات، تشغل يداً عاملة، وتؤدي دوراً اجتماعياً واقتصادياً حيوياً، فقط لأنها لم تُستوعب بعد تعقيدات المساطر الإدارية؟
في المقابل، يتواصل التوسع السريع للمساحات الكبرى والعلامات التجارية، في بيئة تبدو أكثر مرونة واستقراراً. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح:
هل نحن أمام إصلاح متوازن للقطاع، أم إعادة تشكيل للسوق على حساب الحلقة الأضعف؟
إن التاجر الصغير ليس رقماً هامشياً يمكن تجاوزه، بل هو صمام أمان اجتماعي، ومكون أساسي للنسيج الاقتصادي المحلي. وأي إصلاح لا يضعه في صلب المعادلة، هو إصلاح ناقص، بل وقد يكون مكلفاً اجتماعياً.
ما يحتاجه القطاع اليوم ليس مزيداً من الإغلاقات، بل:
تبسيط المساطر الإدارية
التمييز الواضح بين التصريح والترخيص
فتح آجال معقولة لتسوية الوضعيات
إطلاق برنامج وطني حقيقي لتأهيل تجارة القرب (رقمنة، تمويل، تكوين)
أما الاستمرار في نهج “التقويم بالقوة”، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الشعور بالاستهداف، وتغذية الاحتقان، وربما تقويض الثقة في أي رؤية مستقبلية، بما فيها “رؤية 2030”.
الخلاصة الواضحة:
إذا كانت الدولة قد نجحت في الفلاحة والصناعة والسياحة بمنطق الدعم قبل الزجر،
فإن إنقاذ التجارة يمر حتماً عبر نفس القاعدة…
وإلا فإننا نكون بصدد كتابة الفصل الأخير في قصة التاجر الصغير، لا تأهيله لمستقبل أفضل.
شارك المقال

برلمانية بطنجة لمديرة الوكالة الحضرية ..شوية دالتواضع مع الساكنة
رسمياً… أرض سجن ساتفيلاج تتحول إلى منطقة للعمارات

مقالات ذات صلة
مصنع البطاريات الصيني بطنجة تيك يثير الجدل بسبب شبهات التلوث البيئي!!
في الوقت الذي تراهن فيه المملكة المغربية على استقطاب الاستثمارات الأجنبية الكبرى لتعزيز مكانتها الصناعية على الصعيدين الإفريقي والمتوسطي، بدأت أصوات تتعالى بمدينة طنجة للتساؤل حول الكلفة الحقيقية لبعض المشاريع...
السيولة البنكية بالمغرب.. الحاجة إلى التمويل تتراجع إلى 125,7 مليار درهم في يوليوز
أفاد بنك المغرب في نشرته الشهرية الأخيرة حول الظرفية الاقتصادية والنقدية والمالية، بأن الحاجة إلى السيولة البنكية تراجعت في المتوسط الأسبوعي، خلال يوليوز 2026، لتصل إلى 125,7 مليار درهم، مقابل...
شاطئ اسطيحات.. مطالب بوقف أشغال مشروع تجاري لحماية موقع تجساس الأركيولوجي من الاندثار
تتصاعد المخاوف بشأن مصير موقع أثري بقرية تجساس المعروفة محليا بشاطئ اسطيحات التابع لإقليم شفشاون، في ظل ما وصفه مهتمون بالتراث بـ”اعتداء” على موقع أركيولوجي ذي قيمة تاريخية، بالتزامن مع...



