الإعلامي المغربي أيمن الزبير يحلل الأزمة بين إسبانيا وأمريكا

الإعلامي المغربي أيمن الزبير يحلل الأزمة بين إسبانيا وأمريكا
بقلم: أيمن الزبير
لم تعد العلاقة بين إسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية مجرد شراكة عابرة للأطلسي، بل تحولت في الأشهر الأخيرة إلى اختبار حقيقي لمفهوم السيادة داخل المعسكر الغربي نفسه. فالتوتر القائم اليوم لا يرتبط فقط بتصريحات أو تهديدات ظرفية، بل يعكس اختلافاً عميقاً في ترتيب الأولويات بين مدريد وواشنطن.
منذ سنوات، ظلت العلاقة بين البلدين تتأرجح بين الدفء والحذر. ففي عهد خوسيه ماريا أثنار، بلغت الشراكة مع واشنطن مستوى غير مسبوق، خاصة مع الانخراط في حرب العراق، وهو القرار الذي عارضته أغلبية واسعة من الإسبان. غير أن مجيء خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو أعاد رسم الحدود، عبر سحب القوات الإسبانية، في رسالة واضحة مفادها أن التحالف لا يعني التبعية.
اليوم، يجد بيدرو سانشيث نفسه أمام معادلة أكثر تعقيداً. فموقفه من الحرب في غزة، ودعمه الصريح للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وضعه في مسافة سياسية من الخطاب الأمريكي التقليدي. كما أن رفض مدريد الانصياع لضغوط رفع الإنفاق الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي إلى مستويات غير مسبوقة، أعاد النقاش حول حدود الالتزام الأوروبي بالمظلة الأمنية الأمريكية.
ولا يمكن إغفال ملف الصحراء المغربية، الذي شكّل منعطفاً استراتيجياً في العلاقات عبر الأطلسي. فاعتراف واشنطن بمغربية الصحراء في عهد دونالد ترامب، واستمرار الموقف ذاته خلال إدارة جو بايدن، كشف لمدريد أن الرهان على تغير المواقف بتغير الإدارات ليس دائماً خياراً مضموناً.
اقتصادياً، قد تبدو التهديدات الأمريكية بقطع أو تقليص العلاقات التجارية ذات وقع ثقيل في الخطاب، لكنها عملياً تصطدم بشبكة معقدة من الاتفاقيات الدولية والتزامات الاتحاد الأوروبي. فالتبادل التجاري بين البلدين كبير، لكنه ليس حيوياً إلى درجة تجعل مدريد رهينة قرار أحادي من واشنطن. لذلك، فإن الأثر الحقيقي لهذه التهديدات سيكون سياسياً بالدرجة الأولى.
المفارقة أن الضغط الخارجي قد يمنح سانشيث فرصة داخلية. ففي إسبانيا، كما في دول أوروبية أخرى، يتحول “الخطر الخارجي” أحياناً إلى عنصر تعبئة يعيد ترتيب الصفوف. صحيح أن اليمين المتشدد قد يجد في التصعيد الأمريكي ورقة لإضعاف الحكومة، لكن جزءاً مهماً من الرأي العام الإسباني لا يتقبل بسهولة فكرة الإملاءات الخارجية.
في تقديري، الأزمة الراهنة ليست مقدمة لقطيعة تاريخية، بل لحظة إعادة تموضع. واشنطن تدرك أن إسبانيا حليف استراتيجي في جنوب أوروبا والبحر الأبيض المتوسط، ومدريد تدرك أن التحالف مع الولايات المتحدة عنصر أساسي في توازنها الجيوسياسي. لكن بين الإدراكين مساحة واسعة لإعادة تعريف مفهوم الشراكة: هل هي علاقة تبعية أمنية واقتصادية، أم شراكة ندّية قائمة على المصالح المتبادلة؟
في عالم يتجه نحو تعددية أقطاب متسارعة، لم يعد ممكناً إدارة العلاقات الدولية بعقلية الحرب الباردة. وإسبانيا، بحكم موقعها وتاريخها، تحاول اليوم أن تقول لواشنطن إن زمن الاصطفاف الأعمى قد انتهى، وأن السيادة الوطنية ليست شعاراً انتخابياً، بل خياراً استراتيجياً.
قد تخفت حدة التصريحات في الأسابيع المقبلة، وقد تعود القنوات الدبلوماسية إلى العمل بهدوء. لكن ما حدث سيظل مؤشراً على تحوّل أعمق: أوروبا، أو على الأقل جزء منها، باتت تبحث عن هامش أوسع للمناورة داخل التحالف الغربي. والسؤال الحقيقي ليس إن كانت الأزمة ستنتهي، بل كيف ستُعاد صياغة قواعد العلاقة بعدها.
شارك المقال

الدليل الكامل للمحافظة العقارية بالمغرب: الوثائق، الرسوم، وآجال جميع الإجراءات
غضب واسع في طنجة بعد نشر فيديوهات “مخلة بالحياء” خلال رمضان

مقالات ذات صلة
محمد ربيع خنشوف يودع ملف ترشيحه وكيلاً للائحة الاتحاد الدستوري بإقليم الفحص أنجرة
أودع حزب الاتحاد الدستوري صباح أمس، بشكل رسمي، لائحته الانتخابية لدى السلطات المختصة بإقليم الفحص أنجرة، استعداداً لخوض غمار الاستحقاقات الانتخابية المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر 2026. ويتقدم محمد ربيع...
طنجة.. شرطي يطلق النار على كلب بيتبول شرس بعد هجوم خطير على سيدة في كورنيش بلايا
شهد الممر البحري بمحاذاة الشاطئ البلدي بطنجة، مساء اليوم، تدخلاً أمنياً حاسماً، بعدما هاجم كلب من فصيلة البيتبول سيدة، ووضع حياتها في خطر حقيقي، وفق المعطيات الأولية المتوفرة. وحسب المعطيات...
الأمن المغربي ينفي اختراق قواعد بياناته ويحذر من وثائق وصور مفبركة
نفى قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، بشكل قاطع، تسجيل أي اختراق لأنظمته المعلوماتية أو لقواعد بياناته الأمنية، مؤكداً أن هذه الأنظمة تخضع لأعلى معايير الأمن...



