القائمة

إحداث المقاولات بجهة الشمال يسجل طفرة قوية في 2026.. فهل تصمد الشركات أمام تحديات النمو؟

بقلم
مريم بنعلي
نُشر: 27 أكتوبر 2026 الساعة 5:06 مساءً
إحداث المقاولات بجهة الشمال يسجل طفرة قوية في 2026.. فهل تصمد الشركات أمام تحديات النمو؟
إحداث المقاولات بجهة الشمال يسجل طفرة قوية في 2026.. فهل تصمد الشركات أمام تحديات النمو؟

كشفت أحدث معطيات المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية عن إحداث 8737 مقاولة جديدة بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة، خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، في مؤشر يعكس استمرار الدينامية المقاولاتية بالجهة، غير أن هذه الأرقام تطرح في المقابل تساؤلات اقتصادية حول قدرة المقاولات الناشئة على الاستمرار والنمو والتوسع، والتحول من مشاريع صغيرة إلى شركات كبرى قادرة على خلق فرص الشغل وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

وتكتسي هذه التساؤلات أهمية خاصة في ظل معطيات كشف عنها خبراء اقتصاديون وتقارير دولية، تشير إلى أن الاقتصاد المغربي، رغم ارتفاع وتيرة إحداث المقاولات، لا يزال يواجه صعوبات هيكلية في تحويل هذه الدينامية العددية إلى نمو فعلي في حجم الشركات وإنتاجيتها وقدرتها التشغيلية.

طنجة تستحوذ على أكثر من 76% من المقاولات الجديدة بالجهة

وفق لوحة قيادة مؤشر إحداث المقاولات الصادرة عن المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية، توزعت المقاولات الجديدة بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة بين 5379 مقاولة محدثة من طرف أشخاص اعتباريين، و3358 مقاولة تعود إلى أشخاص ذاتيين، واستحوذت مدينة طنجة على الحصة الأكبر من هذه الدينامية، بعدما سجلت إحداث 6696 مقاولة، أي ما يعادل نحو 76,6 في المائة من إجمالي المقاولات المحدثة بالجهة.

وجاءت تطوان في المرتبة الثانية بـ1102 مقاولة، تلتها العرائش بـ259 مقاولة، والحسيمة بـ253 مقاولة، والقصر الكبير بـ176 مقاولة، ثم شفشاون بـ83 مقاولة، ووزان بـ80 مقاولة، وأصيلة بـ67 مقاولة، وتارجيست بـ21 مقاولة.

وتكشف هذه الأرقام عن تمركز واضح للنشاط المقاولاتي بمدينة طنجة، مقابل تفاوت كبير مع بقية المراكز الحضرية بالجهة، ما يثير تساؤلات بشأن التوزيع الترابي للاستثمار ومدى قدرة المدن المتوسطة والصغرى على استقطاب المشاريع الاقتصادية الجديدة.

التجارة تتصدر.. والصناعة لا تتجاوز 6,65%

على مستوى طبيعة الأنشطة الاقتصادية، تصدر قطاع التجارة قائمة القطاعات الأكثر استقطابا للمقاولات الجديدة بنسبة 39,85 في المائة، متبوعا بالخدمات المتنوعة بنسبة 17,27 في المائة، ثم البناء والأشغال العمومية والأنشطة العقارية بنسبة 15,50 في المائة، كما حل قطاع النقل رابعا بنسبة 10,16 في المائة، بينما لم تتجاوز حصة الصناعة 6,65 في المائة، والفنادق والمطاعم 5,61 في المائة، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات 2,72 في المائة.

وتبرز هذه التركيبة القطاعية هيمنة الأنشطة التجارية والخدماتية على إحداث المقاولات، مقابل حضور محدود نسبيا للأنشطة الصناعية والتكنولوجية، وهي معطيات تستدعي قراءة أعمق لطبيعة المشاريع الجديدة ومدى قدرتها على الابتكار ورفع الإنتاجية وتوفير مناصب شغل مستدامة.

خبير: من بين 20 ألف شركة.. 43 فقط تجاوزت 50 موظفا

وفي مقابل هذه الدينامية المسجلة في إحداث المقاولات، تكشف معطيات قدمها ياسير الزواوي، الشريك المسير في فرع شركة الاستشارات الدولية “ماكينزي آند كومباني” بالمغرب، عن جانب آخر من التحديات التي تواجه النسيج المقاولاتي الوطني.

فخلال مداخلته في لقاء لرواد الأعمال نظمه الاتحاد العام لمقاولات المغرب، يوم 17 أكتوبر 2026 بالدار البيضاء، استعرض الزواوي نتائج تتعلق بعينة تضم 20 ألف شركة تأسست بالمغرب سنة 2019.

وأظهرت المعطيات التي قدمها أن 43 شركة فقط من هذه العينة تمكنت من تجاوز عتبة 50 موظفا بعد مرور خمس سنوات على تأسيسها، وهو ما يعادل نحو 0,22 في المائة من مجموع الشركات المشمولة بالدراسة.

ويعكس هذا المؤشر، وفق قراءة الخبير الاقتصادي، الصعوبات التي تواجهها الشركات المغربية في الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة النمو والتوسع، رغم استمرار إحداث مقاولات جديدة بأعداد مهمة.

البنك الدولي: المقاولات المغربية تنمو ببطء

وتتقاطع هذه الخلاصات مع ما أورده تقرير للبنك الدولي حول النمو وفرص الشغل في المغرب، والذي سلط الضوء على وفرة المقاولات مقابل محدودية فرص الشغل التي يخلقها النسيج الإنتاجي، وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، فإن المقاولات المغربية تنمو بوتيرة أبطأ مقارنة بنظيراتها في اقتصادات مشابهة، إذ يتوقع أن يرتفع حجم مقاولة مغربية بعد عشر سنوات من تأسيسها بنحو الثلث فقط، وهو ما يعادل تقريبا نصف معدل النمو الذي يمكن أن تحققه مقاولة مماثلة في فييتنام.

وتشير هذه المقارنة إلى أن التحدي الاقتصادي لا يرتبط فقط بتشجيع المبادرة المقاولاتية وتسهيل تأسيس الشركات، بل يشمل كذلك توفير الشروط الضرورية لمواكبتها خلال مراحل التطور، وتعزيز قدرتها على الاستثمار والتوظيف وولوج الأسواق.

الإنتاجية والابتكار.. الحلقة الأضعف في نمو الشركات

واعتبر ياسير الزواوي أن الإشكال المركزي الذي يواجه الاقتصاد المغربي يرتبط بالإنتاجية، وبمدى توجيه الاستثمارات نحو الأنشطة القادرة على خلق قيمة مضافة مرتفعة، وأوضح أن تحقيق نمو اقتصادي مستدام يستدعي تقوية حضور الشركات الكبرى، إلى جانب دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة التي يمكن أن تتحول مستقبلا إلى فاعلين اقتصاديين كبار.

وأشار إلى أن إنتاجية الاقتصاد المغربي تظل، وفق المقارنات التي قدمها، في حدود نصف مستوى الإنتاجية المسجل في اقتصادات تمكنت من تحقيق معدلات نمو مستدامة تقارب 5 في المائة.

كما نبه إلى أن توجيه الاستثمارات نحو القطاعات المنتجة والمبتكرة لا يزال دون المستوى المطلوب، داعيا إلى تعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وتطوير نموذج للمنافسة يقوم على الابتكار والتكنولوجيا وتحسين الأداء.

هل تتحول المقاولات الجديدة بطنجة إلى شركات كبرى؟

وتعيد هذه المؤشرات طرح سؤال اقتصادي أساسي على مستوى جهة طنجة–تطوان–الحسيمة، التي تستفيد من موقع جغرافي استراتيجي ومنظومة صناعية ولوجستية مرتبطة بميناء طنجة المتوسط ومناطق الأنشطة الاقتصادية.

فإحداث 8737 مقاولة خلال ثمانية أشهر يمثل مؤشرا مهما على المبادرة الاقتصادية، لكنه لا يقدم صورة مكتملة عن مدى نجاح هذه المشاريع في الاستمرار والتوسع أو قدرتها على توفير فرص عمل جديدة، كما أن استحواذ التجارة على نحو 40 في المائة من المقاولات الجديدة، مقابل أقل من 7 في المائة للصناعة، يفتح النقاش بشأن طبيعة النسيج المقاولاتي الذي يتشكل بالجهة، ومدى استفادة المقاولات المحلية الصغرى والمتوسطة من الدينامية الصناعية والاستثمارية التي تعرفها طنجة.

ويطرح هذا الواقع تحديات مرتبطة بولوج التمويل، والاندماج في سلاسل الإنتاج والتوريد، والتأهيل التكنولوجي، وتطوير الكفاءات، والقدرة على المنافسة داخل الأسواق الوطنية والدولية.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الرهان الاقتصادي المقبل لا ينبغي أن يقتصر على رفع عدد المقاولات المحدثة، بل يتعين أن يشمل أيضا قياس معدلات بقائها بعد خمس سنوات، وتطور أرقام معاملاتها، وعدد مناصب الشغل التي تحدثها، وقدرتها على التحول إلى شركات متوسطة وكبرى.

وبذلك، فإن التحدي الحقيقي بالنسبة لجهة طنجة–تطوان–الحسيمة لم يعد محصورا في عدد المقاولات التي تولد كل سنة، وإنما في عدد الشركات التي تنجح في النمو والتوسع، وتتحول من مشاريع صغيرة إلى مؤسسات اقتصادية منتجة ومشغلة، قادرة على المساهمة في التنمية الاقتصادية وخلق الثروة وفرص الشغل.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

تجارة و صناعة

أزمة اللحوم الحمراء بالمغرب.. هل أصبح لحم الجاموس البرازيلي بديلاً للمغاربة؟

بدل أن تجد الحكومة حلولاً جذرية وملموسة لأزمة اللحوم الحمراء التي أثقلت كاهل المغاربة، وجدت نفسها تكتفي بالحلول السهلة والترقيعية. فبعد سنوات من الانتظار والتخبط، ها هي السلطات تستعد لإدخال...

• 1 دقيقة للقراءة
مستشار بالغرفة الجهوية للتجارة والصناعة والخدمات بطنجة ينتقد تفويت مهام المؤسسة بقيمة 210 ملايين سنتيم إلى القطاع الخاص
تجارة و صناعة

مستشار بالغرفة الجهوية للتجارة والصناعة والخدمات بطنجة ينتقد تفويت مهام المؤسسة بقيمة 210 ملايين سنتيم إلى القطاع الخاص

أثار مصطفى بن عبدالغفور، المستشار بالغرفة الجهوية للتجارة والصناعة والخدمات لجهة طنجة تطوان الحسيمة، عبر صفحته بموقع فايسبوك تساؤلات بشأن أوجه صرف بعض الاعتمادات المالية المدرجة في مشروع ميزانية الغرفة،...

• 1 دقيقة للقراءة
المغرب وإسبانيا.. مبادلات قطاع السيارات تتجاوز 1.77 مليار يورو في 8 أشهر
تجارة و صناعة

المغرب وإسبانيا.. مبادلات قطاع السيارات تتجاوز 1.77 مليار يورو في 8 أشهر

سجلت المبادلات التجارية في قطاع السيارات بين المغرب وإسبانيا حجما تجاوز 1.77 مليار يورو خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة، في مؤشر على الأهمية المتزايدة للصناعات المرتبطة بالسيارات ضمن العلاقات...

• 0 دقائق للقراءة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *