القائمة

من يحكم الجماعات الترابية فعلاً؟ بين صلاحيات رئيس المجلس وهيمنة سلطة الوصاية

بقلم
رئيس التحرير
آخر تحديث: 24 مارس 2026 الساعة 11:53 صباحًا
من يحكم الجماعات الترابية فعلاً؟ بين صلاحيات رئيس المجلس وهيمنة سلطة الوصاية
من يحكم الجماعات الترابية فعلاً؟ بين صلاحيات رئيس المجلس وهيمنة سلطة الوصاية

من يحكم الجماعات الترابية فعلاً؟ بين صلاحيات رئيس المجلس وهيمنة سلطة الوصاية

في خضم التحولات التي شهدتها المملكة عقب تنزيل مقتضيات دستور 2011، والتي راهنت على ترسيخ مبادئ الجهوية المتقدمة وتعزيز الديمقراطية المحلية، يطفو على السطح سؤال جوهري يثير الكثير من الجدل داخل الأوساط السياسية والحقوقية: من يملك فعلياً سلطة اتخاذ القرار داخل الجماعات الترابية؟ هل هو رئيس المجلس الجماعي المنتخب، أم أن مراكز القرار توجد في مكان آخر؟

بين النص القانوني والممارسة: فجوة مقلقة

الواقع الميداني، كما تعكسه تجارب عدد من المجالس المنتخبة، يكشف عن مفارقة لافتة بين النص القانوني والممارسة اليومية. فبالرغم من أن القوانين التنظيمية، وعلى رأسها القانون التنظيمي رقم 113.14، منحت لرئيس المجلس الجماعي اختصاصات واسعة في التدبير والتنفيذ، إلا أن هذه الصلاحيات غالباً ما تُفرغ من محتواها بفعل تدخلات وتأثيرات جهات أخرى، في مقدمتها سلطة الوصاية ممثلة في رجال وزارة الداخلية المغربية على مستوى العمالات والأقاليم.

رئيس المجلس: من صانع قرار إلى منفذ إداري

مصادر متطابقة من داخل المجالس الجماعية تؤكد أن رئيس المجلس، الذي يفترض أن يكون الآمر بالصرف والمسؤول الأول عن تنفيذ مقررات المجلس، يجد نفسه في كثير من الأحيان محاصراً بتوجيهات غير مباشرة، أو بتأويلات إدارية تُقيّد قراراته، ما يجعله أقرب إلى منفذ إداري منه إلى صانع قرار سياسي محلي.

كما أن سلطة القرار في مختلف الخدمات الترابية بدءا من التعمير مرورا بالنظافة والإنارة والمرافق الخدماتية وصولا إلى استغلال الرسوم الجبائية هي الأخرى تمت مصادرتها من المجالس المنتخبة.

مشاريع القرب… قرارات مؤجلة

لا تتوقف إشكالية تراجع دور المنتخبين عند حدود التدبير المالي أو الإداري، بل يمتد حتى إلى أبسط المشاريع القريبة من انتظارات الساكنة. ففي عدد من الجماعات، يجد المنتخبون أنفسهم عاجزين حتى عن اتخاذ قرار إنشاء ملعب كرة قدم صغير داخل الأحياء السكنية، رغم توفر الوعاء العقاري وحاجة الشباب لمثل هذه الفضاءات. هذا العجز لا يرتبط فقط بالإمكانيات، بل يعكس تشابك المساطر وتعدد المتدخلين واشتراط تراخيص وموافقات من جهات مختلفة، ما يكشف بوضوح حجم القيود التي باتت تطوق أيدي المنتخبين وتحد من قدرتهم على الاستجابة السريعة لمطالب المواطنين.

في حالة جماعة طنجة، وطيلة 5 سنوات من تدبير حزب الأصالة والمعاصرة، الذي فرض شخصية منير الليموري، حاكما على ساكنة طنجة، نجد أن المجلس الجماعي خلال الفترة المنصرمة، عجز عجزا فظيعا عن تفعيل صلاحياته واختصاصاته المحددة في القانون التنظيمي 14-113.

فمجلس جماعة طنجة لم يستطع حتى تفعيل المادة 89 والتي تنص على أنه يمكن للجماعة، أو بمبادرة منها، واعتمادا على مواردها الذاتية، أن تتولى تمويل أو تشارك في تمويل إنجاز مرفق أو تجهيز أو تقديم خدمة عمومية لا تدخل ضمن اختصاصاتها الذاتية، إذا تبين أن هذا التمويل بشكل تعاقدي مع الدولة يساهم في بلوغ أهدافها.

شركات التدبير المفوض: فاعل يتجاوز المنتخبين؟

يزداد هذا الوضع تعقيداً مع بروز فاعلين جدد في تدبير الشأن المحلي، وعلى رأسهم شركات التدبير المفوض، التي باتت تضطلع بأدوار محورية في قطاعات حيوية كالنظافة والنقل والإنارة العمومية. هذه الشركات، بحسب متتبعين، أصبحت تمتلك هامشاً واسعاً من الاستقلالية، يصل أحياناً إلى حد التباطؤ أو الامتناع غير المعلن عن تنفيذ بعض الالتزامات، دون أن يتمكن المجلس الجماعي من فرض سلطته الرقابية أو تفعيل آليات الزجر والمحاسبة.

وهكذا عندما تنقطع خدمات الإنارة العمومية، او تتراكم النفايات المنزلية في الأرصفة، أو تنفجر قنوات التطهير السائل، ليجد المواطن نفسه أمام دوامة اتصالات قبل الاستجابة، حيث يتعين عليه الاتصال بالمستشار الجماعي الذي بدوره يتصل برئيس المجلس، هذا الأخير يتصل بالموظف أو نائبه المكلف بالملف من أجل ربط الاتصال أو مراسلة الشركة المفوض لها التدخل.

وطبعا فإن سرعة الاستجابة لا ترقى إلى انتظارات المواطنين، إذ يكفي إلقاء نظرة على تدوينات رواد التواصل الاجتماعي المتعلقة بتقييم أداء المجالس المنتخبة، لتكتشف حجم التذمر والاستياء من التخبط والارتباك.

انعكاسات على الثقة في العملية الانتخابية

هذا التداخل في الاختصاصات، وغياب وضوح في حدود السلطة، يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدوى العملية الانتخابية في بعدها المحلي، خاصة في ظل شعور متزايد لدى المواطنين بأن المنتخبين لا يملكون القرار الفعلي. وهو ما يساهم في تغذية العزوف السياسي، ويعزز الانطباع بأن الاستحقاقات الانتخابية لا تعدو كونها واجهة شكلية لمشهد تُدار خيوطه خارج المؤسسات المنتخبة.

نحو إعادة التوازن في الحكامة الترابية

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، يتجدد النقاش العمومي، حول جدوى الانتخابات في ظل تراجع صلاحيات واختصاصات المنتخبين، خبراء في الحكامة الترابية يعتقدون أن تجاوز هذا الإشكال يمر عبر إعادة التوازن بين مبدأي الرقابة والحرية، من خلال تمكين المنتخبين من ممارسة اختصاصاتهم كاملة، مقابل تفعيل آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل صارم وشفاف، بما يعيد الثقة في المؤسسات المنتخبة ويمنحها المصداقية اللازمة.

 

شارك المقال

مقالات ذات صلة

تملك السكن بعد الكراء.. موظف في وزارة التعمير يردعلى مقترح البرلماني أوزين
بناء و عقار

تملك السكن بعد الكراء.. موظف في وزارة التعمير يردعلى مقترح البرلماني أوزين

أثار مقترح الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، بشأن اعتماد نظام الكراء المفضي إلى التملك، نقاشا حول جدوى هذا النموذج وإمكانية تحويله إلى آلية فعلية لتمكين المواطنين من تملك...

0 دقائق للقراءة
مصطفى الفن: ست سنوات على “اتفاقات أبراهام”.. ماذا جنت الدول العربية المطبّعة غير الخيبات؟
تحليلات و آراء

مصطفى الفن: ست سنوات على “اتفاقات أبراهام”.. ماذا جنت الدول العربية المطبّعة غير الخيبات؟

بعد نحو ست سنوات على توقيع اتفاقات أبراهام بين إسرائيل وعدد من الدول العربية برعاية أمريكية، تعود النقاشات حول حصيلة هذه الاتفاقات وحدود ما حققته للدول الموقعة عليها، في ظل...

1 دقيقة للقراءة
مصطفى بن عبد الغفور يكتب الرخص التجارية.. حين ينتقل المشكل من مدينة إلى أخرى ويبقى التاجر في قاعة الانتظار
تحليلات و آراء

مصطفى بن عبد الغفور يكتب الرخص التجارية.. حين ينتقل المشكل من مدينة إلى أخرى ويبقى التاجر في قاعة الانتظار

رغبة مني في مشاركة الإخوة هذا النقاش، باعتبارنا كتجار ومهنيين معنيين جميعاً بهذا الملف، أعتقد أن ما يجري اليوم بالرباط لا ينبغي التعامل معه باعتباره شأناً محلياً يخص تجار العاصمة...

1 دقيقة للقراءة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

7 − اثنان =