من كواليس الصراع بطنجة إلى حراك ميداني بأصيلة…كيف حوّلت التسجيلات المسربة مسار الباشا حورية؟

شكل الانتقال الأخير للباشا حورية من باشوية المرس بطنجة صوب مدينة أصيلة، أحد أبرز التنقيلات التي استأثرت باهتمام واسع من لدن المتتبعين للشأن المحلي بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، خصوصاً وأن هذا التعيين جاء بعد سلسلة من محطات الشد والجذب، والنقاشات المستفيضة بينها وبين بعض الفعاليات الجمعوية والسياسية بعاصمة البوغاز.
ولم يكن هذا المسار بالمسار العادي في دهاليز الإدارة الترابية، بل ارتبط اسمها بمحطات مثيرة للجدل، لعل أبرزها واقعة التسجيلات الصوتية المسربة التي هزت بيت الإدارة المحلية بطنجة في وقت سابق، عندما تم تداول مقاطع تنسب إليها وهي تحرض على قائد تابع لنفوذها بسبب ما اعتبرته استفحالاً لخروقاته وتهاوناً في ضبط المخالفات.
هذه التسجيلات، التي أُريد لها في البداية أن تكون صك اتهام للإطاحة بها وإنهاء مسارها المهني من طرف خصومها، انقلبت سحراً على ساحر، وتحولت من أداة هدم إلى شهادة صك براءة غير مقصودة، أعادت صياغة صورتها لدى الرأي العام والمسؤولين المركزيين كمسؤولة صارمة لا تقبل المساومة على تطبيق القانون.
إذ أظهرت تلك المقاطع، ورغم صيغتها الحادة، أن خلفيات الصراع لم تكن شخصية بل تمحورت حول محاربة التجاوزات الميدانية، وعكست نبرتها الحازمة رغبة حقيقية في محاصرة الاختلالات، مما جعل رد الفعل المركزي يأتي على شكل إعادة انتشار وتنقيل صوب باشوية أصيلة بدلاً من الإعفاء أو العقاب التأديبي القاسي.
وكانت فترة تولي الباشا حورية المسؤولية بمنطقة المرس بطنجة قد شهدت حركية لافتة اتسمت بالجرأة والصرامة في معالجة العديد من الملفات الحارقة، وعلى رأسها محاربة البناء العشوائي، وتحرير الملك العمومي، وإعادة تنظيم الفضاءات التجارية و حلحلة الملفات الإجتماعية و الإنفتاح على المجال الجمعوي ، وهي الملفات التي جعلتها في صدام مباشر أحياناً مع مصالح وحسابات بعض الفاعلين المحليين والسياسيين بالمنطقة، مما خلق نوعاً من الاستقطاب بين مؤيد لصرامتها في تطبيق القانون، وبين منتقد لمقاربتها الميدانية.
وفي مقابل هذه الصرامة، شكل الجانب الإنساني والاجتماعي المحور الأكثر إثارة في مسارها؛ إذ لم تقف حدود تحركاتها عند إنفاذ القانون بشكل جاف، بل نزلت بثقلها وعلاقاتها لفك أعقد المشاكل الاجتماعية للمواطنين من الفئات الهشة، طارقةً بنفسها أبواب الكاراجات و المحلات السكنية لتفقد ظروف عيش قاطنيها والوقوف على مستواهم المعيشي الحقيقي.
هذا الاندماج الميداني الصارم واكبته رغبة حثيثة في النأي بنفسها وبجهازها عن أي نوع من أنواع الشبهات أو الاستغلال؛ وبلغت بها درجة الحذر والنزاهة أن انتفضت في وجه رئيس جمعية محلي بسبب محاولة تقديم قارورة ماء مجانية في إحدى الاجتماعات ، معتبرة أن كرامة الإدارة وحياد رجل السلطة يبدآن من رفض أصغر المجاملات، لتقطع الطريق أمام أي محاولة للركوب على مواقفها أو مقايضة صرامتها بمكاسب صغيرة.
وقد انتقل هذا الحراك التدبيري مع الباشا حورية إلى مدينة أصيلة، حيث يسجل متتبعون محليون مؤشرات إيجابية تدل على استيعاب خصوصية المدينة “الزيلاشية” الهادئة ذات الطابع الثقافي والسياحي الخاص؛ ويبدو أن تجربة المرس الصعبة قد صقلت آليات التدبير لديها، لتترجم حالياً تلك الصرامة القانونية في أصيلة على شكل حملات منظمة لتأهيل المشهد الحضري وحماية الهوية الجمالية للمدينة دون السقوط في صدامات مجانية، مع التركيز على فتح قنوات التواصل المباشر مع الساكنة والمجتمع المدني المحلي لتبديد التوجسات التي سبقت تعيينها، وتحويل طاقة الشد والجذب السابقة إلى تنسيق ميداني فعال يخدم الصالح العام.
وقد انتقل هذا الحراك التدبيري مع الباشا حورية إلى مدينة أصيلة، ليصبح واقعاً ملموساً يعاينه زوار المدينة وسكانها على حد سواء؛ فبنسبة كبيرة، يمكن لكل وافد على جوهرة المحيط أن يشاهد باشا المدينة وهي تتجول شخصياً في الميدان وتتفقد تفاصيل الوضع البيئي والخدماتي، بدءاً من مراقبة مستوى النظافة وحالة الإنارة العمومية، وصولاً إلى التتبع اليومي والمباشر لنشاط وعمل رجال الإنعاش الوطني بالشارع العام.
ختاما ، تُمثل الباشا حورية التجسيد الميداني الفعلي للمفهوم الجديد للسلطة الذي باتت تنادي به وزارة الداخلية وتؤكد عليه في كل محطة؛ وهو المفهوم الذي يقطع تماماً مع التدبير البيروقراطي الكلاسيكي، ليؤسس لجيل جديد من رجال السلطة يضع النجاعة، والاستباقية، وربط المسؤولية بالمحاسبة فوق كل اعتبار. فمن خلال صرامتها الميدانية في إنفاذ القانون من جهة، وانفتاحها الإنساني على قضايا المواطنين وحماية نزاهة المرفق العام من جهة أخرى، تقدم هذا النموذج التدبيري كترجمة عملية لتوجهات الوزارة الرامية إلى جعل رجل السلطة عنصراً تنموياً محايداً، قريباً من نبض الشارع، ومسؤولاً مباشراً عن تجويد المعيش اليومي للمواطنين وحفظ النظام العام دون محاباة أو تقصير.
شارك المقال

تفاعلاً مع فيديو متداول.. شرطة بني مكادة توقف مشتبهاً فيه وتلاحق ثلاثة آخرين
الاتحاد الدستوري بطنجة يترقب بحذر… والعيدوني بين التزكية وسيناريوهات التأجيل

مقالات ذات صلة
جمعية مهندسي المدرسة المحمدية تنتخب مكتباً جديداً لفرع الشمال
احتضنت مدينة طنجة، يوم السبت 18 يوليوز 2026، أشغال الجمع العام الانتخابي لفرع الشمال لجمعية مهندسي المدرسة المحمدية، برئاسة رئيس الجمعية محمد السموني، وذلك في محطة تنظيمية خُصصت لتقييم حصيلة...
مصانع الكابلاج بطنجة تستنجد بشباب بني ملال لتعويض عزوف أبناء الشمال
في مفارقة تسلط الضوء على التحولات العميقة التي يشهدها سوق الشغل بمدينة طنجة، أطلقت الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (أنابيك) بجهة بني ملال خنيفرة حملة توظيف كبرى لاستقطاب 500 عامل...
120 ألف طالب في جامعة القاضي عياض.. المركز الجهوي للاستثمار يراهن على تحويلهم إلى مقاولين وصناع فرص الشغل
كشف المدير العام للمركز الجهوي للاستثمار لجهة مراكش-آسفي، محفوظ مساعد، عن رؤية جديدة تراهن على جعل طلبة جامعة القاضي عياض خزانا للمشاريع الاستثمارية، مؤكداً أن الجامعة، التي تضم أكثر من...






