القائمة

من الاعتراف السياسي إلى الأثر الاقتصادي.. كيف تعيد التحولات الدبلوماسية رسم آفاق الاستثمار في الصحراء المغربية؟

بقلم
ابتسام خزري
آخر تحديث: 18 أغسطس 2026 الساعة 6:05 مساءً
من الاعتراف السياسي إلى الأثر الاقتصادي.. كيف تعيد التحولات الدبلوماسية رسم آفاق الاستثمار في الصحراء المغربية؟
من الاعتراف السياسي إلى الأثر الاقتصادي.. كيف تعيد التحولات الدبلوماسية رسم آفاق الاستثمار في الصحراء المغربية؟

 في الذكرى الـ47 لاسترجاع إقليم وادي الذهب؛ تعود الأقاليم الجنوبية إلى واجهة النقاش الوطني. وذلك من زاوية تتجاوز اسحضار المحطة التاريخية إلى مساءلة التحولات التي عرفتها المنطقة على المستويات الاقتصادية والتنموية.

فبعد عقود من استرجاع الإقليم في 14 غشت 1979، لم يعد الرهان مقتصرا على تثبيت الحضور السياسي والدبلوماسي.. وإنما بات مرتبطا أيضا بقدرة هذه الدينامية على إنتاج نموذج اقتصادي أكثر جاذبية واستدامة.

وتأتي هذه المرحلة في سياق دبلوماسي عرف خلال السنوات الأخيرة اتساع دائرة المواقف الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية. ومن بينها الموقف الأمريكي سنة 2020 والموقف الفرنسي سنة 2024. وذلك بما عزز، بالنسبة للمغرب، وضوح الإطار السياسي الذي يتحرك فيه ملف الصحراء.

دينامية اقتصادية ومؤشرات متصاعدة  

واقتصاديا، تعكس المؤشرات الرسمية دينامية متصاعدة في جهة الداخلة- وادي الذهب. فقد بلغ ناتجها الداخلي الإجمالي سنة 2023 نموا بالحجم قدره 10.1%. وتجاوز بذلك معدل النمو الوطني البالغ 3.7%.

كما سجلت قطاعات البناء والتجارة والنقل والفنادق والمطاعم معدلات نمو لافتة خلال السنة نفسها. وهو ما يعكس اتساع النشاط الاقتصادي وتنوعه تدريجيا.

ومن جهة أخرى، يبلغ عدد سكان الجهة، وفق نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، نحو 219 ألفا و965 نسمة. فهل يمكن للتحول الدبلوماسي أن ينتقل من مستوى الرسالة السياسية إلى مستوى القرار الاقتصادي للمستثمر؟.

وفي حوار مع صحيفة “إيكو بريس” الإلكترونية؛ يعتبر الخبير الاقتصادي ورئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، يوسف كراوي الفيلالي، أن تراكم الاعترافات والمواقف الدولية، إلى جانب الجهوية المتقدمة والنموذج التنموي الخاص بالأقاليم الجنوبية، يشكل مجموعة من المؤشرات التي تعزز وضوح الرؤية بالنسبة للمستثمر.

الاستقرار السياسي.. عنصر في معادلة الاستثمار

في منطق الاستثمار، لا تنفصل الجدوى الاقتصادية عن مستوى المخاطر المحيطة بالمشروع. ويرى كراوي أن الاستقرار السياسي والأمني الذي تعرفه الأقاليم الجنوبية، إلى جانب المؤسسات الأمنية والعسكرية.. يوفر للمستثمرين- مغاربة وأجانب- ضمانات إضافية بشأن استقرار البيئة التي ستحتضن مشاريعهم.

وبذلك، تصبح التحولات الدبلوماسية عاملا مكملا لعناصر أخرى، من بينها الإطار القانوني والجهوية المتقدمة والنموذج التنموي الموجه للأقاليم الجنوبية.

من القطاعات التقليدية إلى اقتصاد أكثر تنوعا 

ولا يقف الرهان عند استقطاب المستثمرين، بل يتصل أيضا بطبيعة الاقتصاد الذي يجري بناؤه. فوفق الخبير، لم تعد الفرص مصورة في القطاعات التقليدية، وعلى رأسها الصيد البحري وبعض الأنشطة الفلاحية.. وإنما صارت تتجه نحو مجالات جديدة تشمل استخراج المعادن والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.

كما يبرز، في تقدير كراوي، تنوع متزايد في مصادر المستثمرين المحتملين، مع انفتاح المنطقة على فاعلين من آسيا والشرق الأوسط إلى جانب المستثمرين الأوروبيين.

وهنا تحديدا، يمكن للتحولات الدبلوماسية أن تكتسب مضمونا اقتصاديا أكبر. فكلما ارتفع وضوح الرؤية السياسية، اتسعت قابلية الشركات لتقييم الفرص على أساس الجدوى الاقتصادية، وليس فقط على أساس حسابات المخاطر السياسية.

الاستثمار لا يكتمل دون رأسمال بشري 

غير أن جذب الاستثمارات لا يعني تلقائيا تحقيق أثر تنموي مستدام. فالتحدي، كما يشدد كراوي، يكمن في تحقيق الملاءمة بين حاجيات المشاريع المستقبلية ومؤهلات اليد العاملة المحلية.

ومن ثم، يبرز دور الجامعات ومؤسسات التكوين المهني في تطوير تخصصات مرتبطة بالقطاعات الواعدة. وذلك بما يتيح لسكان الأقاليم الجنوبية الاستفادة المباشرة من فرص الشغل التي قد تخلقها الاستثمارات الجديدة.

والمعادلة هنا لا تتعلق فقط باستقدام مشروع إلى المنطقة، وإنما بقدرته على خلق قيمة مضافة محلية، وتكوين الكفاءات، وربط الاستثمار بالتنمية البشرية.

من الاعتراف إلى القرار الاقتصادي 

وبذلك، يبدو أن المرحلة المقبلة تضع الدبلوماسية أمام اختبار اقتصادي مختلف. فالموقف السياسي، مهما بلغت أهميته، لا يتحول إلى استثمار إلا عندما يجد أمامه بنية تحتية ملائمة، وإطارا قانونيا واضحا، وموارد بشرية مؤهلة، وفرصا اقتصادية قابلة للتنفيذ.

ويرى كراوي أن المغرب انتقل، في تقديره، من مرحلة تحقيق الاعترافات إلى مرحلة تثبيت المكتسبات. واعتبر أن تنزيل نموذج الحكم الذاتي بجهويته المتقدمة ونموذجه التنموي الخاص يمكن أن يفتح، مستقبلا، المجال أمام استثمارات وقطاعات إنتاجية جديدة.

وبينما تواصل الأقاليم الجنوبية بناء موقعها الاقتصادي.. يصبح الرهان الحقيقي هو تحويل الزخم الدبلوماسي إلى مشاريع منتجة، وفرص شغل، وقيمة مضافة يستفيد منها المجال وسكانه.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

فرص عمل بإسبانيا.. شركات نقل تبحث عن سائقي شاحنات برواتب تصل إلى 3674 يورو وهذه شروط التقديم
أخبار المغرب

فرص عمل بإسبانيا.. شركات نقل تبحث عن سائقي شاحنات برواتب تصل إلى 3674 يورو وهذه شروط التقديم

تتواصل في إسبانيا عروض توظيف سائقي الشاحنات، مع حاجة عدد من شركات النقل والخدمات اللوجستية إلى سائقين للعمل في الرحلات المحلية والوطنية والدولية، فيما تصل الأجور في بعض العروض المنشورة...

1 دقيقة للقراءة
أخبار المغرب

مرت أزمة سبتة.. لكن هل انتهت القصة؟ أما حان الوقت للدولة أن تنصت للشارع؟

مرت أزمة سبتة وانتهت فصولها، كما انتهت قبلها أزمات وحراكات اجتماعية متعددة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يكفي أن تمر الأزمة بسلام حتى نعتبر أن القصة انتهت؟ ليس...

0 دقائق للقراءة
أخبار المغرب

الأمن المغربي يصد هجوم 15 غشت على سبتة المحتلة وهذه حصيلة الموقوفين

كشفت معطيات أمنية أن العمليات الميدانية التي باشرتها القوات العمومية، خلال الساعات الأولى من صباح اليوم السبت 15 غشت، بمدينة الفنيدق وضواحيها، أسفرت عن ضبط 111 شخصاً كانوا يستعدون للهجرة...

1 دقيقة للقراءة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر + واحد =