القائمة

مقال رأي..إصلاح جريء ومستدام وعادل لأنظمة التقاعد بالمغرب

بقلم
محمد أوزين
نُشر: 23 يونيو 2026 الساعة 8:26 مساءً
مقال رأي.. إصلاح جريء ومستدام وعادل لأنظمة التقاعد بالمغرب
مقال رأي.. إصلاح جريء ومستدام وعادل لأنظمة التقاعد بالمغرب

تأجيل الإصلاح ليس حلا! إنه اعتراف بين بعجز حكومة الثلاثي. بحيث يمثل إعلان وزيرة الاقتصاد والمالية التخلي عن إصلاح أنظمة التقاعد خلال ما تبقى من عمر الولاية التشريعية اعترافا سياسيا صريحا بعجز الحكومة عن مواجهة أحد أخطر التحديات الاجتماعية والمالية التي تواجه بلادنا. فالأمر لا يتعلق بمجرد تأجيل ورش تقني معقد أو ترحيل نقاش صعب إلى حكومة مقبلة، بل بقرار واعٍ بترك أزمة بنيوية تتفاقم بصمت، على الرغم من معرفة الجميع بحجم المخاطر التي تهدد استدامة أنظمة التقاعد ومستقبل أجيال كاملة من المغاربة.

لقد جاءت تصريحات الحكومة لتؤكد صحة التحذيرات التي ظلت تطلق منذ سنوات. فحين تختار السلطة التنفيذية، وهي على بعد أسابيع قليلة من استحقاقات انتخابية حاسمة، ألا تقترب من هذا الملف، فإنها لا تؤجل الإصلاح فحسب، بل تؤجل مواجهة الحقيقة نفسها، وتترك لمن سيأتي بعدها مسؤولية التعامل مع تداعيات أزمة كانت كل المؤشرات تنذر بها منذ وقت طويل.

إن أخطر ما في هذا الموقف ليس فقط غياب الإرادة السياسية، بل غياب القدرة على تقديم أجوبة مستدامة. فالحكومة تعلم، كما يعلم الخبراء والفاعلون الاجتماعيون، أن أنظمة التقاعد بصيغتها الحالية بلغت حدودها القصوى. لذلك فإن قرار التأجيل لا يعكس مجرد حسابات انتخابية ضيقة، بل يكشف أيضا محدودية المقاربة التي حكمت هذا الملف لعقود، والتي قامت على ترحيل المشكل بدل معالجته، وتأجيل القرار بدل امتلاك شجاعة اتخاذه.

بين الانتحار الأكتواري والتقاعس السياسي

يعتمد نظام التقاعد المغربي، كما هو الحال في أغلب الأنظمة التقليدية، على مبدأ التضامن بين الأجيال، حيث يؤدي النشيطون اليوم معاشات المتقاعدين على أمل أن تتكفل الأجيال اللاحقة بمعاشاتهم مستقبلا، غير أن استدامة هذا النموذج تظل مرتهنة بتوازن أربعة متغيرات أساسية: النسبة الديموغرافية بين المساهمين والمتقاعدين، ومعدلات المساهمة، ومستويات المعاشات، ومدة المساهمة وصرف المعاشات.

إن هذا التوازن أصبح اليوم مهددا بشكل غير مسبوق. فالخبراء الأكتواريون يتحدثون عما يشبه “الانتحار الأكتواري”، حين تنخفض نسبة المساهمين إلى ما دون عتبة الاستدامة المقدرة بثلاثة مساهمين لكل متقاعد. و هو مؤشر مقلق ينذر بانهيار الصندوق على المدى المتوسط.

ففي الصندوق المغربي للتقاعد، تراجعت النسبة الديمغرافية من سبعة مساهمين لكل متقاعد سنة 2000 إلى 2,1 فقط سنة 2024، مع توقعات بانخفاضها إلى 1,7 سنة 2030. أما النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد فقد بلغ مستوى أكثر خطورة عند 1,3 مساهم لكل متقاعد، مع توقعات بالنزول إلى أقل من واحد في أفق سنة 2040.

وحتى القطاع الخاص، الذي حافظ خلال العقد الأول من الألفية الثالثة على معدل يتراوح بين 12 و15 مساهم لكل متقاعد، يشهد بدوره انهيارا تدريجيا لهذه النسبة إلى حوالي 3 حالياً، مع توقع تراجعها إلى 0,8 فقط بحلول سنة 2045.

محمد أوزين الأمين العام لحزب الحركة الشعبية
محمد أوزين الأمين العام لحزب الحركة الشعبية

ويزداد الوضع تعقيدا بفعل التحول الديمغرافي الذي تعرفه المملكة،إذ ارتفع متوسط العمر المتوقع من 66 سنة في 1990 إلى 77 سنة حاليا، مع توقع بلوغه 82 سنة في أفق 2050. ونتيجة لذلك، انتقل متوسط مدة صرف المعاشات من 12 إلى 15 سنة إلى ما بين 18 و20 سنة حاليا، وقد يصل مستقبلا إلى ما بين 22 و25 سنة، بما يعنيه ذلك من ارتفاع تلقائي ومستمر في كلفة النظام دون أي زيادة مقابلة في حجم المساهمات.

لكن الأخطر من الانتحار الأكتواري هو التقاعس السياسي الذي رافقه. فمنذ أكثر من عقدين من الزمن، توالت التقارير والتحذيرات والدراسات دون أن تبادر الحكومات المتعاقبة إلى مراجعة جوهرية للمعايير الأساسية للنظام. فقد ظل سن التقاعد يتراوح بين 60 و63 سنة على الرغم من توصيات الخبراء برفعه إلى 65 سنة، كما ظلت مدة المساهمة الدنيا للاستفادة من المعاش محددة في ثلاث سنوات فقط، في حين تشير التقديرات إلى ضرورة رفعها إلى ما بين 15 و20 سنة. أما معدلات المساهمة فقد بلغت سقف 20 في المائة من الأجر الخام، بينما تقتضي الاستدامة رفعها تدريجيا إلى حدود 28 في المائة.

ولم يكن الإصلاح الذي عرفه القطاع العمومي بين سنتي 2016 و2021، والقائم على الرفع التدريجي لسن التقاعد من 60 إلى 63 سنة، سوى محاولة محدودة سرعان ما فقدت جزءا كبيرا من أثرها بفعل استمرار التحولات الديمغرافية.

النتيجة اليوم واضحة ومقلقة: احتياطيات الصندوق المغربي للتقاعد مهددة بالنفاد في أفق سنة 2031، واحتياطيات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في أفق سنة 2036. أي أننا نسير، إن استمر الوضع على ما هو عليه، نحو وضع ستجد فيه الأجيال المقبلة نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما تحمل مساهمات مرتفعة يصعب تحملها، أو القبول بمعاشات متواضعة لا تضمن الكرامة بعد سنوات العمل.

دمج الصناديق ليس هو الحل الأمثل

في هذا السياق، يبدو الحديث عن إصلاح هيكلي قائم على تجميع الأنظمة في قطبين، عمومي وخاص، أو تمهيدا لنظام موحد، أقرب إلى مغالطة تقنية منه إلى حل حقيقي. فدمج الصناديق لا يخلق الثروة، ولا يرفع عدد المساهمين، ولا يعالج الشيخوخة الديمغرافية، ولا يقلص البطالة، بل يقتصر على إعادة توزيع الاختلالات داخل بنية أكبر.
إن ما تحتاجه أنظمة التقاعد ليس تجميع الأرقام داخل أوعية جديدة، بل خلق شروط الاستدامة الاقتصادية والديمغرافية التي تسمح لهذه الأرقام بأن تستعيد توازنها.

الإصلاح يبدأ من الاقتصاد وتوسيع قاعدة المنخرطين

إن أولى الرافعات الحقيقية للإصلاح تتمثل في توسيع قاعدة المنخرطين. فبين 60 و80 في المائة من الساكنة النشيطة ما تزال تشتغل في القطاع غير المهيكل، خارج منظومة الاقتطاعات والحماية الاجتماعية. لذلك فإن إدماج ما يقارب خمسة ملايين عامل يمارسون نشاطا اقتصاديا دون أن يستفيدوا من أي تغطية تقاعدية يشكل أولوية وطنية لا محيد عنها.

كما أن تحسين حكامة الصناديق وتطوير مردودية استثماراتها وتنويع مواردها المالية يمثل مدخلا أساسيا لتعزيز استدامة الأنظمة دون اللجوء إلى حلول اجتماعية صادمة.

إصلاح معياري تمهيداً لإصلاح بنيوي

قبل الانتقال إلى نموذج جديد، تبدو الإصلاحات المعيارية ضرورية، ليس باعتبارها حلا نهائيا، بل باعتبارها مرحلة انتقالية لربح الوقت وتهيئة شروط الإصلاح العميق.
ويتطلب ذلك رفع سن التقاعد تدريجياً إلى 65 سنة في أفق سنة 2035، وتمديد الحد الأدنى لفترات المساهمة إلى ما بين 15 و20 سنة، والرفع التدريجي لمعدلات المساهمة نحو 28 في المائة. وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات لن تكون كافية لوحدها، فإنها ستساهم في تأخير استنزاف الاحتياطيات، وتعزيز الثقة في قدرة الدولة على الإصلاح، وتهيئة الرأي العام والشركاء الاجتماعيين للانتقال نحو نموذج أكثر استدامة.

نحو عقد اجتماعي إن جوهر الإصلاح الحقيقي لا يكمن في تعديل بعض المعايير، بل في إعادة النظر في فلسفة تمويل التقاعد نفسها. فالإصلاح البنيوي، سواء عبر نظام قائم على الرسملة، أو نظام مختلط يجمع بين التوزيع والرسملة، أو عبر إحداث صندوق سيادي ممول من موارد ضريبية جديدة، يظل السبيل الوحيد لحماية النظام من آثار الشيخوخة الديمغرافية وضمان استدامته على المدى الطويل.

لقد بني النظام الحالي، شأنه شأن عدد من مكونات دولة الرفاه، على فرضيات ديمغرافية واقتصادية لم تعد قائمة اليوم. واستمرار العمل بالمنطق نفسه لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وترحيل كلفتها إلى أبناء الغد.

إن المغرب في حاجة إلى إصلاح جريء وعادل ومستدام، يضع مصلحة الأجيال القادمة فوق الحسابات الانتخابية الظرفية، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يجمع بين التضامن والمسؤولية، وبين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية.

فالأزمات المؤجلة لا تختفي، بل تعود دائما أكثر تعقيدا وأكثر كلفة. ولذلك فإن إصلاح التقاعد لم يعد خيارا سياسيا قابلا للتأجيل، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها مصلحة المغرب ومستقبل أبنائه.

بقلم محمد أوزين الأمين العام لحزب الحركة الشعبية

Onda pub

شارك المقال

مقالات ذات صلة

خبير مالي يكشف كيف أثقلت تعديلات أخنوش الضريبية كاهل الشركات الصغرى لصالح المجموعات الكبرى
تحليلات اقتصادية

خبير مالي يكشف كيف أثقلت تعديلات أخنوش الضريبية كاهل الشركات الصغرى لصالح المجموعات الكبرى

وضع الخبير المتخصص في المالية والحسابات مصطفى بولحيا الأصبع على مكامن الخلل في الهندسة الضريبية الجديدة لحكومة أخنوش المقرة بموجب قانون المالية، مقارنا بالأرقام والمعطيات القانونية وضعية الضريبة على الشركات...

1 دقيقة للقراءة
فوزي لقجع عن انتخابات 2026 .. لا يعلم الغيب إلا الله
أخبار وتحليلات

فوزي لقجع عن انتخابات 2026 .. لا يعلم الغيب إلا الله

أثارت الاستضافة الأخيرة للوزير فوزي لقجع في بودكاست “مغارب” عبر منصة “الجزيرة 360” نقاشاً واسعاً في الأوساط الرياضية والسياسية بالمملكة، وهو اللقاء الذي تفاعل معه الصحفي عصام واعيس عبر تدوينة...

0 دقائق للقراءة
مقال رأي: ملتقى الصداقة المغاربي للأعمال والاستثمار.. بعد ثلاث دورات، أين الأثر؟
أخبار المغرب

مقال رأي: ملتقى الصداقة المغاربي للأعمال والاستثمار.. بعد ثلاث دورات، أين الأثر؟

يعد ملتقى الصداقة المغاربي للأعمال والاستثمار من المبادرات التي يفترض أن تساهم في تعزيز التعاون الاقتصادي بين الفاعلين الاقتصاديين، وتشجيع الاستثمار، وفتح آفاق الشراكة والتبادل بين مختلف مكونات الفضاء المغاربي....

0 دقائق للقراءة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

7 + 9 =