قانون مراكز النداء الفرنسي.. جذور أزمة تهدد آلاف الوظائف بالمغرب منذ 14 سنة

قانون مراكز النداء الفرنسي.. جذور أزمة تهدد آلاف الوظائف بالمغرب منذ 14 سنة
عاد ملف مراكز النداء بين المغرب وفرنسا إلى الواجهة من جديد، بعد التحذيرات التي أثارها وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات يونس السكوري، بشأن تداعيات القانون الفرنسي الجديد المتعلق بتنظيم التسويق الهاتفي.
وأوضح الوزير، في جواب كتابي، أن هذا القانون قد ينعكس بشكل مباشر على قطاع مراكز النداء بالمغرب، مهددا ما بين 40 ألف و50 ألف منصب شغل، بالنظر إلى الارتباط الوثيق لهذا النشاط بالسوق الفرنسية، التي تستحوذ على نسبة مهمة من خدمات التسويق الهاتفي المقدمة من المغرب.
وفي خضم هذا الجدل، أعاد محلل الأداء يوسف سعود نشر مقال سبق أن كتبه قبل نحو 14 سنة لصحيفة الحياة اللندنية، تناول فيه جذور الأزمة بين البلدين، مسلطا الضوء على الخلفيات السياسية والاقتصادية التي رافقت الجدل حول ترحيل مراكز الاتصال من فرنسا إلى المغرب.
رفاه ظاهري وهشاشة خفية
يشير التحليل إلى أن الاستثمارات الأجنبية في قطاع الخدمات، خصوصا مراكز النداء، أسهمت في ظهور طبقة اجتماعية جديدة في المغرب تبدو في الظاهر ميسورة الحال، لكنها في الواقع تعيش هشاشة مهنية.
ويصنف هذه الفئة ضمن ما يعرف بـ“البريكاريا الرقمية” (Digital Precariat)، وهي طبقة تعتمد بشكل كبير على مهارات مرتبطة بمنصات وتكنولوجيات أجنبية، ما يجعل مستقبلها رهينا بقرارات تنظيمية أو تحولات تكنولوجية قد تحدث خارج المغرب.
وبحسب هذا الطرح، فإن أي تعديل قانوني أو تحول تقني قد يؤدي في لحظة إلى تقليص هذه الوظائف، في ظل محدودية البدائل المحلية القادرة على امتصاص مثل هذه الصدمات.
بداية الأزمة بين الرباط وباريس
تعود جذور الجدل حول مراكز الاتصال إلى أكثر من عقد من الزمن، حين بدأ النقاش في فرنسا حول تأثير نقل هذه الخدمات إلى الخارج على سوق الشغل المحلي.
وخلال فترة حكم الرئيس الفرنسي الأسبق Nicolas Sarkozy، أثار كاتب الدولة المكلف بالتشغيل آنذاك Laurent Wauquiez الموضوع في خروج إعلامي أكد فيه عزمه اتخاذ إجراءات لتشجيع إعادة توطين مراكز النداء داخل فرنسا، في خطوة هدفت إلى طمأنة الرأي العام الفرنسي بشأن فقدان الوظائف.
هذه التصريحات أثارت في حينها ردود فعل رسمية في المغرب، حيث عبر وزير الصناعة والتجارة والتكنولوجيات الحديثة السابق أحمد رضى الشامي عن انزعاج الرباط من تلك التوجهات، محذرا من تأثيرها المحتمل على قطاع الأوفشورينغ الذي كان يعول عليه لخلق عشرات الآلاف من فرص العمل.
انفراج مؤقت للأزمة
بعد أسابيع من التوتر، شهد الملف انفراجا نسبيا عقب لقاءات بين المسؤولين في البلدين، حيث أكد الجانب الفرنسي أن الهدف ليس استعادة الوظائف الموجودة في المغرب، بل تطوير شراكة اقتصادية تكاملية تسمح بخلق فرص شغل في البلدين.
غير أن الجدل عاد لاحقا مع وصول الاشتراكيين إلى الحكم بقيادة الرئيس الفرنسي الأسبق François Hollande، حيث استغلت أحزاب اليمين الملف مجددا في النقاش السياسي الداخلي، معتبرة أن نقل مراكز الاتصال إلى الخارج يضر بسوق العمل الفرنسي.
القضاء الفرنسي يحسم بعض الملفات
في خضم هذه التجاذبات السياسية، دخل القضاء الفرنسي على الخط في عدد من القضايا المرتبطة بترحيل الخدمات.
أبرزها رفض طعن تقدمت به شركة Webhelp لإلغاء صفقة نقل خدمات نقابة النقل في منطقة Île-de-France إلى المغرب، حيث أبقى القضاء على الصفقة، ما سمح بمواصلة المشروع آنذاك.
قطاع استراتيجي لسوق الشغل المغربي
يعد قطاع مراكز الاتصال من القطاعات المهمة في الاقتصاد المغربي، إذ يشغل حوالي 60 ألف شخص، وفق تقديرات مهنية، مع توقعات سابقة بارتفاع العدد إلى نحو 250 ألف منصب شغل خلال عقد واحد.
كما يستقطب المغرب نحو 50 في المئة من الاستثمارات الفرنسية في مجال الخدمات المصدرة للخارج، متقدما على دول منافسة مثل تونس و السنغال وجزر موريس.
وقد انطلق تطوير هذا القطاع في المغرب منذ سنة 2006 في إطار مخطط الإقلاع الصناعي، مع إنشاء مناطق متخصصة لاستقبال شركات الأوفشورينغ، من بينها Casablanca Nearshore Park وTechnopolis Rabat.
الأزمة القديمة تتجدد
ومع النقاش الدائر حاليا في فرنسا حول تنظيم التسويق الهاتفي، عاد القلق مجددا إلى قطاع مراكز النداء بالمغرب، في ظل مخاوف من انعكاسات تشريعية قد تؤثر على آلاف الوظائف المرتبطة بالسوق الفرنسية.
ويرى سعود أن هذا الملف ظل، على مدى سنوات، مجالا لتقاطع الحسابات الاقتصادية مع الاعتبارات السياسية داخل فرنسا، وهو ما يجعل مستقبل القطاع مرتبطا ليس فقط بقدرته التنافسية، بل أيضا بالتطورات التشريعية والاقتصادية في أوروبا.
شارك المقال

طنجة.. شجار بين بائعين متجولين بحومة الشوك ينتهي بجريمة قتل
رؤية هلال شوال بالمغرب.. ماذا تقول الحسابات الفلكية عن موعد عيد الفطر

مقالات ذات صلة
مصانع الكابلاج بطنجة تستنجد بشباب بني ملال لتعويض عزوف أبناء الشمال
في مفارقة تسلط الضوء على التحولات العميقة التي يشهدها سوق الشغل بمدينة طنجة، أطلقت الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (أنابيك) بجهة بني ملال خنيفرة حملة توظيف كبرى لاستقطاب 500 عامل...
الوزير الصديقي يكتب: هل المغرب قوة إقليمية؟
قد يبدو هذا السؤال، للوهلة الأولى، غريبا أو مبالغا فيه. فالمغرب لا يمثل سوى نحو 0,14 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي العالمي، ولا يتجاوز عدد سكانه 0,53 في المائة...
ندرة “نصف درهم” تربك المعاملات اليومية وتجبر المغاربة على الدفع بالزيادة
دق الناشط عبد الإله عبدون ناقوس الخطر، عبر تدوينة تفاعلية على صفحته بموقع “فيسبوك”، حول ظاهرة اقتصادية صامتة باتت تستنزف جيوب المغاربة يوميا، وهي الاختفاء التدريجي للقطعة النقدية من فئة...






