ضياع التلاميذ المغاربة يسائل نجاعة الدولة المغربية في النهوض بالتعليم

ضياع التلاميذ المغاربة يسائل نجاعة الدولة في النهوض بالتعليم.. قراءة في الأرقام المخفية لبكالوريا 2026
في خضم انشغال الرأي العام المغربي بقرار العودة إلى التوقيت المعتاد (غرينيتش) الذي أعلن عنه رئيس الحكومة أمس الخميس، مرت لغة الأرقام الخاصة بقطاع التربية الوطنية في البلاغ الحكومي دون تمحيص دقيق من لدن الكثيرين.
وفي هذا السياق، التقط الصحفي والكاتب رشيد البلغيتي خيطا ناظما لواقع أليم، مسلطا الضوء على ما تخفيه لغة الأرقام الرسمية بشأن امتحانات البكالوريا لسنة 2026، والتي تسائل في عمقها جدوى السياسات العمومية ونجاعة الدولة في وقف نزيف الهدر المدرسي.
من ولوج المدرسة إلى طاحونة الهدر
فحسب المعطيات الحكومية فإن 528 ألف مترشح اجتازوا امتحانات البكالوريا هذا العام. وفي حين يسجل للمغرب نجاحه النسبي خلال العقد الأخير في تعميم التمدرس (خصوصا في السلك الابتدائي)، إلا أن الإشكالية الكبرى لم تعد تكمن في “الولوج” إلى المدرسة، بل في “الاستمرار” داخل أسوارها.
فجسب البلغيتي إن التقارير الوطنية والدولية تجمع على وجود ّ”نزيف حاد” يضرب السلكين الإعدادي والثانوي التأهيلي، حييث ذكر إلى أبرز المؤسسات التي حذرت من هذا الوضع، وهي المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، البنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
هذا النزيف يضيف المصدر ذاته يطرح سؤالا جوهريا عن عدد التلاميذ الذين ضاعوا في الطريق؟ خيث إن رقم 528 ألف مترشح للبكالوريا لا يمثل سوى الشريحة التي صمدت حتى خط النهاية، ولكنه يخفي وراءه مئات الآلاف من الأطفال واليافعين الذين لفظتهم المدرسة مبكرا، ليلتحقوا بجيش العاطلين، أو قطاع التكوين المهني، أو المهن الهشة.

البكالوريا.. مرآة للتفاوتات الاجتماعية والمجالية
أما السؤال الثاني الذي يفرضه منطق الأرقام هو لماذا ينجح 262 ألف مترشح فقط؟
يعتبر البلغيتي أن البكالوريا لا يمكن اعتبارها مجرد امتحان ظرفي يمتد لثلاثة أيام، بل هي حصيلة سنوات من التراكمات والتفاوتات الاجتماعية، الثقافية، والمجالية. لأن النجاح المدرسي في المغرب بات يرتبط بشكل وثيق ومقلق بمستوى دخل الأسرة، والمجال الجغرافي (حضري، قروي، هوامش المدن)، وكذا المستوى التعليمي للوالدين.
إن التلميذ المنحدر من وسط ميسور، المستفيد من ظروف الراحة والدروس الخصوصية والربط الجيد بالإنترنت، لا يدخل مضمار الامتحان بنفس الحظوظ والشروط التي يدخل بها تلميذ ينحدر من دوار معزول أو حي هامشي. لذلك، فإن نتائج البكالوريا لم تعد تقيس “المجهود الفردي” والكفاءة فحسب، بل أضحت أداة لقياس “سوء توزيع الموارد” والفرص داخل المجتمع.
المناورة الإحصائية: “المتمدرسون” مقابل “الأحرار”
لتفكيك الخطاب الحكومي، قدم البلغيتي مقارنة توضح التناقض بين المؤشرات المعتمدة والواقع المجتمعي، فالخطاب الحكومي، يركيز على نسب نجاح “المتمدرسين”، بينما يستبعد نتائج المترشحين “الأحرار” ذوي نسب النجاح المتدنية لتفادي خفض المؤشرات العامة. إضافة إلى ذلك يتم تسليط الضوء على رقم 528 ألف مترشح، في حين أن الواقع السوسيولوجي والتعليمي الموازي يغفل مئات الآلاف من التلاميذ الذين غادروا فصول الدراسة في الإعدادي والثانوي. أما الحديث عن “دينامية إيجابية” في المنظومة، فالواقع المرير يثبت أن المدرسة لم تعد فضاء ضامنا للاندماج الاقتصادي والترقي الاجتماعي.
واقع مرير خارج أسوار المدرسة
إن الاحتفاء الحكومي بـ”الدينامية الإيجابية” حسب البلغيتي يقيس فقط ما يقع داخل المنظومة المدرسية، متجاهلا ما يحدث خارجها. الأرقام هنا أكثر قسوة، فحوالي ربع الشباب المغاربة (بين 15 و24 سنة) يعيشون وضعية “NEET” (لا يدرسون، لا يعملون، ولا يتلقون أي تكوين)، أي ما يقارب 1.5 مليون شاب وشابة.
وأمام معدلات بطالة شبابية تتجاوز ثلث هذه الفئة العمرية، يتحول دور المدرسة العمومية من قاطرة للترقي الاجتماعي، إلى مصنع يفرز يدا عاملة هشة ومهمشة، تقتات على وعود سياسية لا ترقى لحجم الأزمة، ليبقى التعليم في المغرب جرحا نازفا يسائل الضمير العام حول حقيقة “الدولة الاجتماعية” المنشودة.
شارك المقال
مقالات ذات صلة
وزارة الصناعة التقليدية تمنع استعمال “القطران” في الأواني الفخارية
أصدرت كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، قرارا رسميا يقضي بمنع استعمال مادة “القطران” في إنتاج وصناعة الأواني الفخارية المخصصة للاستعمال الغذائي، وذلك بعد ثبوت احتوائها على مكونات...
نقص الأدوية في المغرب يثير مخاوف أزمة دوائية داخل قبة البرلمان
نقص الأدوية في المغرب يثير مخاوف أزمة دوائية داخل قبة البرلمان عاد ملف نقص الأدوية في المغرب إلى واجهة النقاش العمومي بعد توجيه سؤال كتابي إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية...
إدارة مدرسة أحمد بلافريج توضح حقيقة المساهمات في حفل ختام الموسم
على إثر المقال المنشور يوم أمس الاثنين، بتاريخ 23 يونيو الجاري، تحت عنوان “مدرسة أحمد بلفريج بطنجة … جدل حول أداء 20 درهماً مقابل كرسي في حفل التميز“، توصلت صحيفة...







