احتضنت كلية اللغات والآداب والفنون، بجامعة ابن طفيل، القنيطرة، يوم السبت الماضي ( 27 دجنبر 2025) ندوة علمية دولية بعنوان: «الخطاب الأدبي بين الإبداع والنقد والتدريس؛ دراسات في منجز الأستاذ أحمد زنيبر»، نظّمها فريق اللسانيات والإعداد اللغوي، بمختبر الديداكتيك واللغات والوسائط والدراماتورجيا، بإشراف عميد الكلية الأستاذ محمد زرو، وبتنسيق كل من: الأستاذ مولاي عبد المالك الداودي؛ رئيس شعبة اللغة العربية وآدابها، والأستاذ خالد العَنِكْري.
وشكلت الندوة الدولية التي عرفت مشاركة أساتذة باحثين من الكويت وتركيا، مناسبة للحديث عن مركزية الخطاب الأدبي في محطاته الإبداعية والنقدية والتدريسية، باستحضار منجز الأستاذ الدكتور أحمد زنيبر متنا للدراسة والمحاورة النقدية والبيداغوجية، والمساءلة العلمية النقدية الرصينة.
وجاءت الندوة في سياق الاستجابة لما يزخر به العالم العربي من المنجزات الأدبية والنقدية واللغوية والتدريسية التي تشكِّل في مجموعها رصيدا معرفيا وثقافيا ضخما، لا يحيد عنها منجز الكاتب والشاعر أحمد زنيبر. إذ سعت هذه المنجزات، على اختلاف موضوعاتها ومشاربها وتوجهاتها، إلى نقل التجربة الإنسانية في أبعادها الفردية والجماعية، وإلى تمثيل ما يختلج في الوجدان والعقل من رؤى وتصوّرات وتنظيرات.
وأيضا ما يعتمل فيهما من تحولات عميقة فرضتها سياقات العصر وتغيراته المتسارعة. ولم يقتصر هذا السعي على تسجيل الهموم الإنسانية واجترار الاجتهادات المنجزة، بل تجاوزه إلى الاجتهاد في وضع مقترحات جديدة تشمل الإبداع والنقد والتدريس حتى تلائِم متطلبات العصر وتجيب عن إشكالاته، مع الأخذ، في الآن نفسه، بما تختص به اللغة العربية التي أرست، عبر القرون، صروح الأدب وعلومه اللغوية وما رافقها من سياقات خارجية كان لها وقع في ازدهار الخطاب الأدبي العربي الإبداعي والنقدي والتدريسي.
وقد تجلّى هذا الازدهار في الخطاب الأدبي بتعدد بنياته ومرجعياته، كما برز في الخطاب النقدي الذي اجتهد في دراسة النصوص وتقويمها، والكشف عن طرائق اشتغالها، بتوظيف آليات مستمدة من النظريات العربية الأصيلة، أو من الدراسات الغربية الحديثة والمعاصرة التي أثْرَتْ الدرس الأدبي، وأسهمت في توسيع آفاقه. ولم يكن المجال التدريسي بمعزل عن هذا التحول الـمُدرك، إذ شهد محاولات جادة لصياغة مناهج تعليمية قائمة على استثمار معطيات الأدبية واللسانيات والتربية الحديثة، بما يجعل درس الخطاب الأدبي حيا متفاعلا مع المتعلم لا منفصلا عنه.
ومن خلال ما جادت به القرائح، وما قدمته النظريات الأدبية العربية والغربية، وما راكمته الجهود التدريسية في المدارس العربية والمغربية تحديدا، غدا حقل دراسات الخطاب الأدبي وتدريسه منفتحا على إمكانات متعددة، ومجالا رحبا لتفاعل الرؤى والمقاربات، ومختبَرا تُختبر فيه المناهج تجديدا للوعي النقدي والتدريسي من المهتمين، وهو ما يجعل الخطاب الأدبي ضربا من الخطابات التي ترافق الإنسان في محطات متعددة ضمن مسيرته التعليمية والتعلمية.
بناء على هذه الرؤية العامة، تأسست الندوة العلمية الدولية: «الخطاب الأدبي بين الإبداع والنقد والتدريس؛ دراسات في منجز أحمد زنيبر»، ونظمت في رحاب كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل، القنيطرة، لتكون إطارا جامعا للمنجز قيد الدرس، ومحطة لاستعراضه ومساءلته عبر قراءات تحليلية متأنية تُبرز سماته وتحدد مساراته، من خلال المحاورة النقدية والعلمية الجادة.
وهذا الجهد المشترك أسهم في إضاءة جوانب كثيرة من المنجز الأدبي والنقدي للكاتب أحمد زنيبر، وفتح أمام الدارسين آفاقا بحثية جديدة يتجدد فيها المنجز المدروس، مع إمكانية متابعة البحث في قضايا الخطاب الأدبي من جوانب متعددة أدبية أو لسانية أو تدريسية.
كما أتاحت الندوة فرصة مهمة للاقتراب من عوالم الكاتب، الأدبية والنقدية والتربوية، بمزيد من القراءة الفاحصة والتحليل العميق والتأويل البليغ، نظرا لما تحمله من رؤى متجددة، وأسئلة نقدية رصينة، وتجارب إبداعية ذات قيمة معرفية وجمالية. وهي منجزات تضع الباحث أمام مسؤولية التقاط خيوطها، واستثمار غناها، وربطها بالسياقات الثقافية والاجتماعية التي انبثقت منها، بما يساعد على صياغة خطاب نقدي عربي واعٍ بذاته ومنفتح على غيره، وقادر على مواكبة التحولات الكبرى التي تعرفها الدراسات الأدبية والاجتهادات التدريسية اليوم.
في ضوء هذا التصوّر العام، أتت الندوة لتناول ثلاث محطات مهمّة يعرفها الخطاب الأدبي، استنادا إلى منجز أحمد زنيبر، إجابةً عن السؤال الجوهري: ما خصائص الخطاب الأدبي ومقوّماته في المحطات الإبداعية والنقدية والتدريسية؟ وإجابةً عن هذا السؤال أتت مداخلات الباحثين موزعة إلى ثلاثة محاور، وهي:
- الأول: بنية الخطاب الشعري عند أحمد زنيبر؛
- الثاني: قضايا الخطاب الأدبي عند أحمد زنيبر؛
- الثالث: قضايا تربوية وتدريسية في الخطاب الأدبي عند أحمد زنيبر.
تضمنت هذه الـمحاور دراسات في المنجزات الشعرية: (“أطياف مائية” (2007)؛ “حيرة الطيف” (2013)؛ “مقامات الرخام” (2024)). والمنجزات النقدية: (“المعارضة الشعرية” (2008)؛ “قبعة السّاحر” (2009)؛ “جمالية المكان في قصص إدريس الخوري” (2009)؛ “مديح الصدى” (2011)؛ “الانحياز إلى القصيد” (2012)؛ “الغابة اللامرئية” (2019)؛ “الكتابة والرؤية” (2020)؛ “صنعة الكلام” (2021))، وفي بعض المنجزات التربوية والتدريسية، منها: (“قضايا في التربية والديداكتيك” (2021))، لباحثين ينتمون إلى مؤسسات تعليمية وتربوية وجامعية مختلفة، مغربية وغير مغربية.
وجمعت الجلسة الأولى المعنونة بـ: «بنية الخطاب الشعري عند أحمد زنيبر» التي سيّرها: الأستاذ الدكتور: مولاي عبد المالك الداودي، إحدى عشرة مداخلة علمية؛ الأولى: «الخطاب الأدبي بين رحلة الإبداع والتحليل» للأستاذ الدكتور: مولاي عبد المالك الداودي. والثانية: «دلالة الماء في التجربة الشعرية لأحمد زنيبر»، للأستاذ الدكتور: عبد الرحيم الرشدي، والثالثة: «البنية الإيقاعية في “مقامات الرخام” لأحمد زنيبر»، للأستاذ الدكتور: فريد أمعضشو. والرابعة: «سردية الذات وأسئلة الوجود في ديوان “مقامات الرخام” للشاعر أحمد زنيبر»، للأستاذ الدكتور: مصطفى العطار. والخامسة: «دلالة “الطيف” في الشعرية المغربية المعاصرة: تجربة أحمد زنيبر مثالا» للأستاذة: فاضمة نايتخويا لحسن. والسادسة: «نقاء ماء الشعر والانتصار للإنسان؛ قراءة في شعر أحمد زنيبر؛ ديوان “أطياف مائية” نموذجا»، للأستاذ: زكرياء الزاير. والسابعة: «بلاغة الرمز الشعري في ديوان: “أطياف مائية” لأحمد زنيبر»، للدكتور: أيوب الطاهري. والثامنة: «مقام الشعر بين انسيابية الصورة الشعرية وتمنُّع المعنى؛ دراسة في ديوان “مقامات الرخام” لأحمد زنيبر». والتاسعة: «شفرات النص الشعري: الجماليات والدلالة والتأويل- شعرية أحمد زنيير نموذجا» للأستاذ الدكتور: مصطفى عطية. والعاشرة: «الأثر الصوفي في شعر أحمد زنيبر»، للأستاذ: امسلمي عبد العالي. والحادية عشرة: و«بلاغة الماء في تجربة أحمد زنيبر الشعرية؛ مقاربة موضوعاتية في ديوان “أطياف مائية”»، للأستاذ: أيوب عفان.
خلصت هذه الجلسة إلى أنّ شعر أحمد زنيبر يشكل خطابا شعريا مركّبا تتداخل فيه الرؤية الجمالية بالبعد الوجودي الإنساني؛ إذ تتأسس بنيته على الكثافة الرمزية الواضحة، تتصدها دلالة الماء والطيف، بوصفهما علامتين على التحول الوجودي والصفاء، والبحث عن معنى الوجود، مع ربط ذلك بالإيقاع والصورة والرمز التي تعد عناصر فاعلة في إنتاج الدلالة لا مجرد زخرف شكلي، كما أنّ الذات الشاعرة عند أحمد زنيبر ذات تأملية منفتحة على الأسئلة الكبرى للوجود، مع الانفتاح على العالم الصوفي وروحه المرحة، وانسيابية الصورة مقابل تمنّع المعنى، مما يجعل الخطاب الأدبي الشعري عند الرجل نصا مفتوحا على التأويل، وفاعلا في تجديد الشعر العربي المغربي المعاصر.
أمّا الجلسة الثانية التي أُثْبِتَت بعنوان: «قضايا الخطاب الأدبي عند أحمد زنيبر»، والتي تولى تسييرها الأستاذ الدكتور: خالد العنكري، تضمنت اثنتي عشرة مداخلة؛ الأولى: «سؤال الهوية في القضايا النقدية العربية: قضية المعارضة في الشعر المغربي القديم مثالا»، للأستاذ الدكتور: خالد العنكري. والثانية: «الملحون خطاب ثقافي؛ كتاب صنعة الكلام لأحمد زنيبر نموذجا»، للأستاذة الدكتورة: سامية بلحاج. والثالثة: «كيف قرأ أحمد زنيبر جمالية المكان عند إدريس الخوري؟»، للدكتور: عمر محضار. والرابعة: «الكتابة وابتناء اللغة في تجربة الشاعر أحمد زنيبر»، للدكتور: عمر العسري. والخامسة: «خطاب العتبات في كتاب: “صنعة الكلام: دراسات في الشعر الملحون بالمغرب” لأحمد زنيبر: دراسة نقدية»، للأستاذ الدكتور: عبد الحكيم سمراني، والسادسة: «سؤال الإبداعية والإثارة الشعرية في القصيدة المغربية الحديثة عند أحمد زنيبر»، للدكتور: بوجمعة أغزافن. والسابعة: «منزع الخطاب وفلسفة المنهج في الثالوث الأجناسي للأدب المغربي عند أحمد زنيبر»، للدكتور: زهير عزيز، والثامنة: «تشكلات الذات الشاعرة في كتاب “الكتابة والرؤية” لأحمد زنيبر» للدكتور: جمال الفقير. والتاسعة: «جدلية الواقعي والتخييلي في السرد القصصي بالمغرب عند أحمد زنيبر»، للأستاذ: أحمد هيهات. والعاشرة: «الرؤية النقدية في “مديح الصدى” لأحمد زنيبر»، للأستاذ: أحمد حزيمي، والحادية عشرة: «تحليل الخطاب السردي عند أحمد زنيبر»، للأستاذة: عواطف الناصيري، والثانية عشرة: «نقد القصة القصيرة عند أحمد زنيبر؛ تفكيك النسق وبناء القيمة»، للدكتور: نصر الدين شردال.
ومن الخلاصات التي توصلت إليها الجلسة، أنّ أحمد زنيبر ناقد وأديب يؤسس خطابه النقدي على ما هو مركب وبيني من خلال مساءلة الهوية، وتحليل الأجناس الأدبية، والانفتاح على الخطاب التراثي والحديث والـمعاصر، ومرد ذلك وجود تقاطع بين القضايا المنهجية والمعرفية والعلمية، فضلا عن حضور الأسئلة الثقافية والجمالية… هذا ما كشفت عنه المداخلات التي اشتغلت على الخطاب النقدي في ضوء ما يسمى في مجال النقد الأدبي بـ: نقد النقد، إضافة إلى شعر الملحون والسرد، مع العناية الخاصة باللغة، والعتبات، والذات الكاتبة، والجدلية القائمة بين الواقعي والتخييلي، بما يؤكد وعي الدارس/الباحث بفلسفة المنهج وبناء الخطاب، وسعيه الحثيث إلى تفكيك الأنساق، وإعادة إنتاج القيمة الأدبية داخل المشهد الثقافي المغربي المعاصر.

وقد أخذت الجلسة الثالثة عنوان: «قضايا تربوية وتدريسية في الخطاب الأدبي عند أحمد زنيبر»، تولى تسييرها الأستاذ الدكتور: عبد الرحيم الراشدي، وقد احتوت خمس مداخلات؛ الأولى: «تدريسية الخطاب الأدبي بين الكفايات والقيم عند أحمد زنيبر»، للأستاذة الدكتورة: فاطمة بولحوش. والثانية: «القضية التربوية والإشكالية التدريسية للخطاب الأدبي عند أحمد زنيبر»، للأستاذ: محمد واقديم. والثالثة: «ملاحظات حول تدريسية النص الشعري من منظور أحمد زنيبر»، للأستاذ: عادل الحدان. والرابعة: «أسس ديداكتيك النصوص والمؤلفات؛ قراءة في كتاب: “قضايا في التربية والديداكتيك” لأحمد زنيبر»، للدكتور: عبد الحفيظ مشكوري. والخامسة: «النص الأدبي مدخلا لتعزيز منظومة القيم عند أحمد زنيبر»، للدكتور: أبو الوفاء البقالي.
ومن الاستنتاجات التي خلصت إليها الجلسة العلمية أنّ البعد التربوي في خطاب أحمد زنيبر، يستحضر بوصفه مشروعا فكريا منفتحا يتضافر فيه ما هو جمالي بما هو قيمي؛ إذ تناولت المداخلات تدريسية الخطاب الأدبي من منظور المقاربة بالكفايات والإشكالات التدريسية، وآليات تدريس الخطاب الشعري، مع التركيز على مركزية الخطاب الأدبي في بناء المتعلم من الناحية المعرفية والقيمية، كما أبرزت الجلسة أنّ تصور أحمد زنيبر للتربية والتدريس يقوم على وعي منهجي وتربوي وتدريسي يجعل من الأدب أداة للتفكير، ومن النقد آلية لترسيخ القيم، لا مجرد مادة تعليمية جافة وجامدة مشلولة الحركة.
أما الجلسة الختامية فقد خصصت لمداخلة الأستاذ الدكتور: أحمد زنيبر؛ واصطفى لها عنوان: «الخطاب الأدبي في محطات إبداعية ونقدية وتدريسية»، تولى تسييرها الأستاذ الدكتور: مولاي عبد المالك الداودي. أشار المتدخل في كلامه إلى مكانة الخطاب الأدبي، الفصيح منه والعامي، في بناء المعنى داخل الخطاب نفسه، وامتداد هذا المعنى إلى الحياة العامة للإنسان. كما استعرض بعض محطاته العلمية والإنسانية التي بصمت مساره العلمي والأدبي، تميزت بروح سكنها حب الأدب والرغبة في تعزيز الحقل الثقافي بأبحاث ومقالات تصدر عن وعي نقدي وبُعد تبصّري بجدوى التأليف والكتابة. مداخلة اتسمت بعفوية تفاعل معها الحضور، من ناحية اللغة والأسلوب والحجاج، والرسائل المتضمنة فيها. ثم خُتِم اللقاء بتوجيه الشكر إلى كل المشاركين والمشاركات في هذا اللقاء العلمي، والتنويه بسائر المداخلات، وكذا بالمشرف العام على الندوة السيّد العميد: محمد زرو، وبمنسقي الندوة؛ الأستاذ مولاي عبد المالك الداودي، والأستاذ خالد العَنِكْري، وكافة جنود الخفاء من أساتذة وطلبة وباحثين ومثقفين وفنانين…




















Discussion about this post