تنزيل بطيء لمفهوم الدولة الاجتماعية في جماعة اكزناية يفاقم معدلات الفقر والهشاشة

بينما أولت المصالح المركزية و السلطات الحكومية استرشادا بالتوجيهات السامية، لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، أهمية بالغة في كل مخططاتها وسياساتها العمومية، من أجل تنزيل المفهوم الجديد للدولة الاجتماعية، والعمل على تقليص الفوارق الاجتماعية، بهدف تمكين المواطنين من الولوج العادل إلى ثمار التقدم والتنمية على الصعيد الوطني، دون أي تمييز أو إقصاء.
وإذا كان جلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، أكد في إحدى خطبه السامية الموجهة إلى شعبه العزيز، قوله “خدمة المواطن هي الغاية من كل السياسات الوطنية“، وشدد في رسالة سامية للمشاركين في المناظرة الوطنية للجهوية المتقدمة بطنجة، على ضرورة “توطيد الحكامة الترابية الجيدة وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ببلادنا، على المستويين الوطني والمحلي.” فإن الممارسة الواقعية في بعض المجالات الترابية لم تلامس بعد هذه الرهانات.
فعلى المستوى المحلي في جماعة اكزناية المتاخمة لثاني قطب اقتصادي بالمملكة، ما تزال أسر متكونة من أب و أم وأبناءها، لا تجد كسرة خبز و كارتون حليب يفرقون به صيامهم، ويروون ظمأ عطشهم، بله أن يلمسوا مجهودات أفقية أو عمودية للتقليل من وضعهم الاجتماعي المتسم بـ “الفقر والهشاشة”.
هذه المشاهد الوصفية، ليست ضربا من وحي الخيال، ولا أوهاما من أثر الأحلام، و لا صيغة منفوخة بجرعات “المبالغة التقريرية”، وإنما لا تعدو أن تكون انعكاسا لمرآة واقع اجتماعي، لا يمكن إطلاق وصف آخر عليه سوى بـ “البؤس” الناجم عن سياسة “الإهمال” و”النسيان”.
وإذا كانت “التقارير اليومية” قد استئنست بهذا الوضع المزري، وربما صنفته بشكل تلقائي في معيار “الوضع الطبيعي”، فإن الوثائق المرجعية الحديثة للدولة، والقائمين على هندسة خريطة البرامج التقويمية ومخططات الإصلاح، جعلوا من مرتكزات “النموذج التنموي الجديد”، تحقيق الإدماج الاجتماعي، وتأهيل المجالات الترابية.
واستنادا إلى هذا المؤشر المعياري، قامت صحيفة “إيكو بريس” الإلكترونية، بجولة استكشافية للوقوف على مدى صلابة الوضع الاجتماعي بجماعة اكزناية، وذلك في خرجة ميدانية إلى عدة مناطق رفقة بعض الفاعلين الجمعويين، في اليومين الماضيين، ودخلت معهم إلى محلات سكن أسر ربما تعيش بأقل من 70 درهم في اليوم بما فيها نفقات الكراء !!
فقر مُتفاقم وهشاشة متغلغلة
خلال هذه الزيارة الميدانية المفاجئة، والتي تجولنا أثناءها في أحياء خندق الزرزور، وبنعجلات، وشواقرش، والفريحيين، والدير، ويدريوين، وقفنا على أسر تفوق درجة “العوز” في وضعها الصعب، لا من حيث جودة السكن، ولا من حيث قيمة الطعام، ولا من حيث نوعية الأثاث والفراش الذي بعضه “متلاشيات” وبعضه “أسمال بالية” ينام عليها أطفالهم الصغار.
وقد لاحظنا خلال هذه الزيارة، تزايد ظاهرة الأكرية في كراجات غير مكتملة الإصلاح أو بيت سُفلي يفتقر لأبسط مقومات السكن اللائق، بل إن بعض الحالات تبيت رفقة أطفالها في أماكن ربما قاسية حتى على اللاجئين، فكيف بالمواطنين حاملي البطاقة الوطنية للمملكة المغربية !!
في المقابل؛ سألنا فعاليات المجتمع المدني ؟ هل هناك أية برامج دعم أو مساعدة استهدفت هاته الفئات المتضررة من اختلال موازين الاقتصاد الحر وعطب عجلة التنمية ؟
لكن الجواب أتى صادما بالنفي.
مضى المراسل الصحفي متسائلا منذ متى ؟
يقول أحد الفاعلين الجمعويين الذين كانوا في نفس الجولة الميدانية، منذ رمضان الماضي على الأقل، كانت هناك حملة مساعدات خجولة من المجلس الجماعي لم تغطي كافة الاحتياجات، لكن العمش أفضل من العمى، يقول أحدهم. لأن اكزناية باعتبارها صارت بؤرة استقطاب لساكنة الضواحي، تعرف معدلات الهشاشة فيها تزايدا.
ولكي نغوص في سؤال أكثر عُمقا؛ تسائلنا مع مخاطبين بكل بديهية؛ أين إذن أجهزة الدولة ومؤسساتها المعنية؟ أين المجلس الجماعي ؟ أين السلطة المحلية ؟ أين التعاون الوطني ؟ أين مؤسسة التضامن ؟ أين المصالح الخارجية ؟ ألا تتوفر كل هذه المؤسسات على ميزانيات للعمل الاجتماعي كما هو سائر العمل به في مختلف أقاليم وجهات المملكة.
بل إن برامج دعم الفقراء إجراء معمول به حتى في دول العالم المتقدمة، حيث يتم منح العائلات ذات الدخل المنخفض جدا أو المعاقين أو العاطلين لظروف قاهرة، يتم تسليمها قسيمة شراء ضروريات المواد الاستهلاكية وتخفيضات في المواصلات العامة، خصوصا في المناسبات التي يشتد فيها الطلب على الاستهلاك وتتضاعف فيها الاحتياجات أمام عجز تلبية أهم المتطلبات.
ونحن في جولتنا الميدانية، صادفنا أحد المحسنين معه بعض أصدقاءه، يطرقون بيت أسرة معوزة في منطقة بني سعيد، سألناهم كيف جاءت تنزيم هاته المبادرة التضامنية، فأجاب عبد الخالق أحد أفراد المجموعة أنه جاءوا إلى اكزناية من حي الادريسية، استجابة لطلب المساعدة توصلوا به من جيران أسرة معوزة لديها أطفال، ووالدهم يشتغل في الناء لكن ركود التعمير جعله عاطلا لفترة طويلة، في غياب بدائل مهنية أخرى لمن هو في مثل صحيته المُنهكة، وقلة ذات اليد.
عقاب جماعي تحت طائلة هواجس انتخابية !!
سألنا أحد الفاعلين الجمعويين من أبناء المنطقة، فأكد أنهم يعتمدون كل عام على مساهمات المحسنين وأعضاء المجلس الجماعي، لكنهم هذا الموسم الرمضاني سمعوا من المنتخبين أن وزارة الداخلية قيدت العمل بميزانية العمل الاجتماعي وشددت المراقبة على المنتخبين بخصوص توزيع مساعدات غظائية خلال هذ الشهر الكريم، نظرا لأن البلد يمر هذا العام من سنة انتخابية.
وأكد بعض الجمعويين أنهم ربطوا الاتصال بعدد من الأسر المعوزة، وتأكدوا منها إلى غاية منتصف شهر رمضان المعظم، أنهم لم يتوصلوا لا بقفة هزيلة ولا بقسيمة غذائية كمساعدات من الدولة أو المجتمع المدني.
فهل يبقى المتضررون اجتماعيا فريسة ينهشها الجوع والفاقة ؟ يتسائل محرر التقرير الصحفي مع مخاطبه، الذي فاجأه بالقول “ما السائل أعلم عنها بالمسؤول”. خصوصا أمام استراتيجية “اللاتواصل المؤسساتي” من جانب الجهات الإدارية المعنية سواء مع جمعيات المجتمع المدني أو مع عموم الرأي العام، وأمام غياب المعلومة من الجهات الرسمية يتعذر وضع النقط على الحروف، ويسيطر اللبس والغموض على الوضع، رغم وجود خيط فاصل بين التبرعات المحظورة وما بين المساعدات المسموح بها.
هل الشح في الموارد أم في الأفكار والمبادرات ؟؟
في خضم هذا الوضع المتأزم اجتماعيا، يُسجل الفاعلون الجمعيوين الذين رافقناهم، غياب السلطات على مستوى باشوية اكزناية، إذ يؤكد متحدث مع صحيفة “إيكو بريس” أن رجال سلطة سابقون في المنطقة، كانوا يدبرون أزمات اجتماعية مناسباتية خلال الأعياد الدينية، أو مفاجئة على غرار جائحة كورونا، بمجهوداتهم الذاتية وبعلاقاتهم الخاصة مع رجال الأعمال وأعيان المنطقة، خصوصا وأن جماعة اكزناية تضم وحدات إنتاجية وعلامات تجارية ومؤسسات اقتصادية ومنعشين عقاريين كبار.
وقالت المصادر ذاتها، إن الفراغ الحاصل اليوم لا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال، وذلك في هذه الطرفية المتسمة بغلاء الأسعار، ونقص متفاقم في فرص الشغل، خصوصا في مجال التعمير الذي يعتبر المحرك الأساسي لعدة مهن أنشطة حرفية وتجارية.
فمع طول مدة الأزمة في مجال البناء، فإن فئات عريضة من اليد العاملة تجر بسبب ذلك أذيال الخيبة، ليس بسبب عجزها عن العمل أو تقصير منها في سبيل اليحث والسعي، وإنما لأسباب وعوامل خارجة عن إرادتها.
وفي ظل هذا القهر المزدوج، الأزمة من جهة، وانعدام مبادرات تضامنية من جهة ثانية، يئن المواطن البسيط الذي ضاقت به السبل، إما لظروف صحية أو مهنية أو اجتماعية، تحت وطأة الحاجة والفاقة، إذ تشتد مرارة الإحساس بها كلما تزامنت الأزمة مع مناسبة دينية كشهر رمضان الفضيل، والذي انقلبت في همع الأسف الأولويات.
وعوض أن يكون شهر رمضان فرصة لتقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء عبر المبادرات الخيرية والحملات التضامنية، يتجرع المتضررون من الأزمة الاقتصادية مرارة الفوارق المتصاعدة بين فئات تعيش الرفاه ورغد العيش أو الاكتفاء المستقر، وبين فئات أخرى ليست قليلة تفتقر حتى لتلبية أبسط ضروريات الحياة الكريمة.
ويتعاظم الشعور أكثر بالأسى وسط الفئات المُعوزة، حينما يتذكر رب الأسرة أن شهر رمضان يختتم بمناسبة عيد الفطر، وهو الموعد الذي يترقبه الأطفال على أحر من الجمر لاستبدال ملابسهم، وانتظار كسوة جديدة، لكن على ما يبدو هيهات هيهات لفقراء جماعة اكزناية، فكيف بمن لم يجد حتى ما يشبع بطن أبناءه أن يجد من يشتري لهم ملابس العيد ؟؟
شارك المقال

طنجة…حجز وتوقيف سيارتين للأجرة مزورتين ضمن حملة مراقبة مكثفة
حادث صادم بـطنجة.. ستيني ينهي حياته بعد إحداث جروح بنفسه ثم السقوط من الطابق الثاني بحي الزياتن

مقالات ذات صلة
المديرية العامة لأمن نظم المعلومات تحذر من ثغرات حرجة في إضافات WordPress
أصدرت المديرية العامة لأمن نظم المعلومات تحذيرا أمنيا بشأن اكتشاف وإصلاح عدة ثغرات أمنية خطيرة في عدد من إضافات WordPress الشائعة، داعية مسؤولي المواقع إلى تحديث هذه الإضافات بشكل عاجل...
فيوليا تدشن بالرباط منصة إقليمية لتعبئة المتطوعين ومعدات الطوارئ
أعلنت مؤسسة “فيوليا” عن إطلاق مركزها الإقليمي الجديد بالرباط، في خطوة تروم تعزيز قدراتها على الاستجابة السريعة للأزمات الإنسانية ودعم المجتمعات المحلية في إفريقيا والشرق الأدنى والشرق الأوسط، وذلك من...
طنجة.. منتجع منار بارك يُوضح ما جرى في حديقة الألعاب المائية
أكدت إدارة المنتجع الترفيهي وحديقة الألعاب المائية “منار بارك” بمدينة طنجة أن الحادث الذي وقع، زوال أمس الأحد، داخل المنتجع كان حادثا عرضيا لا علاقة له بأي خلل في تجهيزات...






