القائمة

بقلم الدكتور الزايدي … حين يُقتل طفل… يمرض الضمير الإنساني كله

بقلم
توفيق الوهابي
آخر تحديث: 12 أكتوبر 2026 الساعة 11:48 صباحًا

أنا طبيب، قضيت سنوات من عمري بين أنابيب التحليل ونتائج المرضى، أبحث في قطرة دم عن سبب ألم أو بداية مرض. وعلّمتني هذه المهنة درسًا بسيطًا: حياة الإنسان لا تُقاس بلونه ولا بدينه ولا بجنسيته. المريض طفل مريض، نعالجه دون أن نسأل من أين جاء.

لهذا لا أستطيع أن أصمت أمام ما يعيشه أطفال غزة. آلاف الأطفال فقدوا حياتهم، وفقد آخرون آباءهم أو أطرافهم أو بيوتهم. هذه ليست أرقامًا في نشرة أخبار، بل أسماء ووجوه وأحلام صغيرة انطفأت قبل أوانها.

لا أكتب هذه السطور لأدخل في السياسة، فلها أهلها. أكتبها بصفتي طبيبًا ومواطنًا وإنسانًا. وأقولها بوضوح: موقفي ليس ضد دين ولا ضد شعب. لست ضد اليهود ولا ضد أي ديانة. موقفي ضد كل من يقتل الأطفال ويبرر قتلهم، أيًّا كان اسمه أو شعاره.

علم النفس يعلمنا أن الطفل الذي يعيش القصف والجوع والخوف لا يخرج من الحرب سالمًا، حتى لو نجا جسده. الكوابيس، والصمت الطويل، والفزع من أبسط صوت، وفقدان الإحساس بالأمان… جراح لا تظهر في صور الأشعة ولا في نتائج التحاليل، لكنها قد ترافق صاحبها طوال حياته، وقد تنتقل آثارها إلى أبنائه من بعده. الحرب لا تقتل الحاضر فقط، بل تسرق المستقبل أيضًا.

وحتى نحن، الذين نتابع من بعيد، لسنا في مأمن. مشاهد الموت اليومية تُرهق النفس، وقد تدفع البعض إلى اليأس أو اللامبالاة أو الحقد. وهذا أخطر ما في الأمر: أن يتحول الألم إلى كراهية، فالكراهية لا تداوي جرحًا، بل تفتح جراحًا جديدة. والإنسان السوي، أيًّا كان دينه، لا يقبل قتل طفل ثم ينام مرتاح البال. والدفاع عن الأطفال لا يحتاج إلى أن نكره أحدًا.

وهنا أعود إلى بلدي، المغرب. نحن بلد عاش فيه المسلم واليهودي والمسيحي جنبًا إلى جنب قرونًا طويلة، في الأحياء نفسها والأسواق نفسها. وما زال هذا التنوع جزءًا من هويتنا، كما يؤكد ذلك دستور المملكة. وفي ظل القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، ظل المغرب أرضًا للتعايش والاعتدال، والإنسانية تجمعنا جميعًا، مؤمنين وغير مؤمنين، ما دمنا نحترم الحياة.

حبنا للمغرب ووفاؤنا لملكنا ومؤسساتنا لا يتعارض مع تعاطفنا مع أطفال غزة، بل يكمله. الوطن الذي نريده وطن هادئ وآمن، يعيش فيه الناس في سلام مع أنفسهم ومع غيرهم. ونخاف على بلدنا من كل ما قد يزرع فيه الخوف أو الكراهية أو الانقسام.

كطبيب، أعرف أن الوقاية خير من العلاج. والوقاية هنا اسمها السلام: أن نحمي الأطفال، كل الأطفال، وأن نربي أبناءنا على الرحمة لا على الحقد. حين يُقتل طفل في أي مكان، يمرض الضمير الإنساني كله. وأملي أن يأتي يوم يكبر فيه أطفال غزة، وأطفالنا، وكل أطفال العالم… دون خوف.

الدكتور عادل زايدي طبيب بيولوجي ومدير مختبر زايدي لاب – طنجة

 

شارك المقال

مقالات ذات صلة

أخبار المغرب

كواليس طنجة.. نائب غضبان من العمدة، ومن سيخلفه، ومن سيخلف خلفه!!

تتوالى الأخبار القادمة من الطابق السابع لجماعة طنجة عن خلافات بين أحد نواب الرئيس، المعروفين بعدم ارتياحهم للتشكيلة المؤقتة المسيرة لمجلس جماعة طنجة، وبين مكونات المكتب الحالي. النائب «الزعلان» من...

• 0 دقائق للقراءة
مشاريع عقارية متوقفة في طنجة تحت مجهر التدقيق المالي بشبهات غسل الأموال
أخبار المغرب

مشاريع عقارية متوقفة في طنجة تحت مجهر التدقيق المالي بشبهات غسل الأموال

دخل مشروعان عقاريان متعثران بمدينة طنجة دائرة التدقيق المالي، في إطار تحريات موسعة تشمل مشاريع مماثلة بالدار البيضاء ومراكش، للتحقق من مصادر الأموال التي جرى ضخها فيها، ومدى تناسب المعاملات...

• 0 دقائق للقراءة
أخبار المغرب

حومة الحداد تلتقط أنفاسها بعد حملة لتحرير الملك العمومي.. هل تعود الفوضى من جديد؟

في خطوة لقيت استحساناً واسعاً من طرف الساكنة ومستعملي الطريق، شهد سوق “حومة الحداد” والأحياء المتاخمة له، التابعة لنفوذ مقاطعة بني مكادة بطنجة، حملة ميدانية واسعة النطاق ومكثفة استهدفت تحرير...

• 0 دقائق للقراءة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *