الصحراء المغربية.. من رهانات التسوية السياسية إلى دينامية اقتصادية متصاعدة

منذ استرجاع الأقاليم الجنوبية، لم يقتصر مسار إدماجها في النسيج الوطني على تأهيل المجال وتوفير البنيات الأساسية، بل اتجه تدريجيا نحو بناء مقومات اقتصادية قادرة على تغيير موقع هذه الأقاليم داخل الخريطة الإنتاجية للمملكة. وبعد عقود من الاستثمار العمومي في البنيات التحتية والخدمات والتجهيزات.. بدأت مؤشرات التحول الاقتصادي تظهر بصورة أكثر وضوحا. لتطرح اليوم سؤال الانتقال من تنمية المجال إلى إنتاج الثروة داخله.
تحول لافت للصحراء المغربية
وتقدم الأرقام الرسمية صورة لافتة عن حجم هذا التحول. فبحسب أحدث معطيات للمندوبية السامية للتخطيط، بلغ الناتج الداخلي الإجمالي للأقاليم الجنوبية الثلاثة نحو 70 مليار درهم سنة 2023، مقابل 16.7 مليار درهم سنة 2004. أي أنه تضاعف أربع مرات خلال أقل من عقدين. كما ارتفعت مساهمة هذه الجهات في خلق الثروة الوطنية من 3.3% سنة 2004 إلى 4.7% سنة 2023. وذلك في وقت سجلت فيه نموا حقيقيا سنويا متوسطا بلغ 5.9% خلال الفترة 2014-2023، مقابل 2.4% على المستوى الوطني.
وتتزامن هذه الدينامية مع مرحلة جديدة من الاستثمار المهيكل، خصوصا منذ إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية سنة 2015. نموذج رُصد له غلاف مالي إجمالي قدره 87.5 مليار درهم. ووُجه إلى مشاريع في البنيات التحتية والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والتنمية البشرية. وهو ما يعكس انتقال الرهان تدريجيا من مجرد تقليص الفوارق المجالية إلى تهيئة المنطقة لتكون قطبا اقتصاديا منفتحا على إفريقيا وباقي الأسواق.
لكن ارتفاع الناتج ومعدلات النمو، رغم دلالتهما، لا يعنيان أن التحول الاقتصادي قد اكتمل. فالتحدي المطروح اليوم يتمثل في قدرة هذه الاستثمارات على إنتاج اقتصاد أكثر تنوعا واستدامة، قادر على خلق القيمة المضافة وفرص الشغل، وجذب الاستثمار الخاص، وتثمين الموارد البحرية والفلاحية والطبيعية، وربط المنطقة بسلاسل الإنتاج والتصدير الوطنية والقارية، فإلى أي حد نجح الاستثمار العمومي والخاص في نقل الأقاليم الجنوبية من مجال ذي رهانات سياسية وجيوستراتيجية إلى مجال اقتصادي منتج وقابل لاستقطاب الاستثمارات؟
من تأهيل المجال إلى بناء قاعدة اقتصادية
ويرى المحلل الاقتصادي خالد أشيبان، في حوار مع صحيفة “إيكو بريس” الإلكترونية، أن الأقاليم الجنوبية تعيش دينامية مهمة منذ إطلاق النموذج التنموي الخاص بها، الذي رافقته استثمارات عمومية كبيرة شملت البنيات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب التعليم والتكوين والصحة.
وتكتسب المشاريع المهيكلة، وفق الخبير، أهمية خاصة في إعادة صياغة موقع المنطقة اقتصاديا، وفي مقدمتها الطريق الرابطة بين تيزنيت والداخلة وميناء الداخلة، الذي يعول عليه في تعزيز موقع المنطقة كقطب اقتصادي وبوابة نحو إفريقيا، بما يربط شمال المغرب بجنوبه ويفتح إمكانات أكبر أمام المبادلات مع القارة الإفريقية.
وبذلك، تتحول البنية التحتية من مجرد أداة لفك العزلة إلى رافعة للاستثمار وإعادة توزيع الأنشطة الاقتصادية. ويشير أشيبان إلى أن المنطقة تتوفر على هوامش واسعة للاستثمار، مع وجود إقبال على مجالات من بينها الطاقات المتجددة. وذلك في وقت لا تزال فيه مؤهلات أخرى، خاصة السياحة، بحاجة إلى مزيد من التثمين.
قطاعات متعددة ومؤهلات تنتظر التثمين
ولا يقوم الرهان الاقتصادي على قطاع واحد، بل على تنوع المؤهلات، حسب المتحدث. فإلى جانب الطاقات المتجددة، يبرز الصيد البحري والصناعات الغذائية والسياحة والفلاحة والمنتجات المحلية والصناعة التقليدية والتعاونيات.. كقطاعات يمكن أن تساهم في توسيع قاعدة الإنتاج وخلق قيمة مضافة محلية.
وبدوره؛ يكتسي تثمين المنتجات البحرية والفلاحية أهمية خاصة، لأن الانتقال من إنتاج المواد الأولية إلى تحويلها وتصنيعها يتيح خلق قيمة مضافة وفرص شغل أكبر. كما يمكن للمنتجات المحلية، ومنها التمور، والصناعة التقليدية والتعاونيات، أن تستفيد من إمكانات التسويق والتصدير إذا جرى تطوير سلاسل التثمين بشكل أكثر تنظيما.
وفي المقابل، تمنح الطاقات المتجددة المنطقة فرصة لاستقطاب استثمارات لا تقتصر على إنتاج الطاقة، وإنما تمتد إلى الصناعات المرتبطة بها. يضاف إلى ذلك الموقع الجغرافي للأقاليم الجنوبية، الذي يمنحها، بحسب أشيبان، إمكانية لعب دور بوابة نحو السوق الإفريقية، مستفيدة من اتفاقيات التبادل الحر التي تربط المغرب بعدد من الأسواق.
لكن نجاح هذا التحول، وفق الخبير، لا ينبغي أن يرتبط فقط بالاستثمار الأجنبي، بل يتطلب أيضا إدماج المقاولات المغربية، خصوصا الصغيرة والصغيرة جدا والمتوسطة. وكذا تمكين الشباب من الاستفادة من فرص العمل التي ستوفرها القطاعات الجديدة.
مساهمة اقتصادية في طور التشكل
ورغم هذه الدينامية، لا تزال مساهمة الأقاليم الجنوبية في النشاط الاقتصادي الوطني، بحسب أشيبان، دون المستوى المطلوب. ويشير المحلل الاقتصادي إلى أن أكثر من 70 في المائة من الثروة التي تُخلق في المغرب تتركز في المحور الممتد بين طنجة والجديدة. وهو ما يجعل العدالة المجالية في توزيع الاستثمار والأنشطة الاقتصادية تحديا وطنيا لا يخص الجنوب وحده. ويرى الخبير أن ارتفاع مساهمة الأقاليم الجنوبية سيظل مرتبطا باستكمال المشاريع الجارية، وتهيئة المناطق الصناعية، ثم توطين الاستثمارات وتحول البنيات التحتية إلى بيئة منتجة.
ومن ثم، فإن البصمة الاقتصادية للمنطقة، في تقديره، ستظهر بشكل أكبر خلال السنوات المقبلة، مع اكتمال هذه الأوراش. كما قد يتجاوز هذا التحول البعد الوطني نحو بعد إفريقي أوسع، خصوصا مع المبادرات التي تتيح للدول الإفريقية الاستفادة من الواجهة البحرية المغربية. إلى جانب المشاريع ذات البعد الإقليمي، مثل أنبوب الغاز المغرب-نيجيريا. وذلك بما يعزز موقع الأقاليم الجنوبية ضمن تصور أوسع للاندماج الإفريقي.
نحو أقطاب اقتصادية جنوبية جديدة
وفي أفق السنوات المقبلة، تبدو السياحة والصناعات الغذائية والطاقات المتجددة والصناعات المرتبطة بالفوسفات وبعض المعادن من أبرز المجالات القابلة للتوسع. ويشير أشيبان إلى أن تحسين الربط الطرقي والنقل سيعزز جاذبية المنطقة سياحيا واستثماريا. بينما يتيح تثمين المنتجات البحرية والفلاحية فرصا أكبر لتعزيز الصادرات وتلبية حاجيات السوق الداخلية والإفريقية.
وأكد أشيبان على أن تطوير الصناعات المرتبطة بالموارد المحلية واستقطاب استثمارات تنقل التكنولوجيا، إلى جانب تشجيع البحث العلمي.. من شأنه أن يرفع القيمة المضافة الصناعية ويخلق فرصا جديدة للشغل. وبهذا المعنى، فإن الرهان لا يقتصر على استغلال مؤهلات الأقاليم الجنوبية، وإنما على بناء خصوصية اقتصادية واضحة لها داخل الخريطة الوطنية. ولفت الخبير إلى أنه كما ارتبطت طنجة بالصناعة ومراكش بالسياحة، يمكن للمنطقة الجنوبية، خلال السنوات المقبلة، أن تطور نموذجا يجمع بين الطاقة والصناعة والسياحة والموارد البحرية والانفتاح على إفريقيا.
وهكذا، تدخل الأقاليم الجنوبية مرحلة جديدة من مسارها التنموي. مرحلة يصبح فيها السؤال الأساسي ليس فقط كيف تُبنى المنطقة وتُجهز، وإنما كيف تتحول هذه الاستثمارات إلى اقتصاد منتج، قادر على خلق الثروة والقيمة المضافة وفرص الشغل، والمساهمة بصورة أكبر في نمو المغرب وتعزيز حضوره الاقتصادي في محيطه الإفريقي.
شارك المقال

حادثة سير بمرشان تجمع سيارة برلماني بشاحنة أزبال و الإمضاء يثير الجدل !!
وفاة الطفلة دعاء تعيد إلى الواجهة تعثر أشغال المستشفى الإقليمي بفحص أنجرة منذ 2012

مقالات ذات صلة
طريق أزلا كابوس الصيف بتطوان
طريق أزلا كابوس الصيف بتطوان.. والمستشار بنونة يساءل مآل الميزانيات المرصودة رغم إدراجها ضمن البرامج التنموية ورصد اعتمادات مالية لإنجازها، لا تزال مشاريع فك الاختناق المروري بالمدخل الشرقي لمدينة تطوان...
مجلس جهة طنجة يطلق مشاريع كبرى في البيئة والرقمنة والصحة والرياضة
مجلس جهة طنجة يطلق مشاريع كبرى في البيئة والرقمنة والصحة والرياضة صادق مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة، اليوم الاثنين، على مجموعة من المشاريع التي تعكس توجهه نحو تسريع تنزيل...
تفاصيل تثنية الطريق الوطنية طنجة القصر الصغير
تفاصيل تثنية الطريق الوطنية طنجة القصر الصغير يتواصل إنجاز مشروع تثنية الطريق الوطنية رقم 16 الرابطة بين مدينة طنجة والقصر الصغير، على امتداد 25 كيلومترا، في إطار برنامج يهدف إلى...




