القائمة

الخطبة الموحدة بالمغرب بين التنظيم والتضييق: حين يتحول الخلاف الإداري إلى اتهام عقدي

بقلم
مريم بن علي
آخر تحديث: 23 ديسمبر 2025 الساعة 11:50 صباحًا
الخطبة الموحدة بالمغرب بين التنظيم والتضييق: حين يتحول الخلاف الإداري إلى اتهام عقدي
الخطبة الموحدة بالمغرب بين التنظيم والتضييق: حين يتحول الخلاف الإداري إلى اتهام عقدي

الخطبة الموحدة بالمغرب بين التنظيم والتضييق: حين يتحول الخلاف الإداري إلى اتهام عقدي 

أعاد الجدل المتجدد حول الخطبة الموحدة بالمغرب، التي تعتمدها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى الواجهة سؤالاً قديماً جديداً: أين تنتهي حدود التنظيم المشروع للشأن الديني، وأين يبدأ التضييق غير المبرر على حرية التبليغ والاجتهاد؟ وهو نقاش لم يعد تقنياً أو فقهياً فحسب، بل أخذ أبعاداً فكرية وسياسية ودستورية، خاصة بعد توظيف مفاهيم عقدية في توصيف الاختلاف حول قرار إداري.

فالخطبة الموحدة، في أصلها، تُقدَّم باعتبارها آلية لضبط الخطاب الديني، وحماية الأمن الروحي، وتوحيد المرجعيات في سياق إقليمي مضطرب. غير أن الإشكال لا يكمن في مبدأ التنظيم، بل في تحويله إلى إلزام صارم، ثم الانتقال من الدفاع الإداري إلى التخوين الديني، كما حدث عندما وصف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق  بعض المنتقدين بـ”الفتانين الخوارج”.

الدكتور محمد حامي الدين أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بطنجة
الدكتور محمد حامي الدين أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بطنجة

وفي هذا السياق، جاءت تدوينة الأكاديمي محمد حامي الدين لتفتح نقاشاً أعمق، لا حول الخطبة في حد ذاتها، بل حول منهج تدبير الاختلاف داخل الحقل الديني بالمغرب. فوزارة الأوقاف، رغم خصوصية موقعها واختصاصاتها، تظل مؤسسة عمومية تصدر قرارات بشرية، لا نصوصاً مقدسة، ولا فتاوى معصومة من النقد أو المراجعة.

إن أخطر ما يطرحه هذا الجدل هو الخلط بين القرار الإداري والموقف العقدي. فانتقاد خطة تنظيمية، أو المطالبة بهامش اجتهاد للخطيب، لا يمكن أن يُنزَّل منزلة الخروج عن الجماعة، ولا أن يُوصَف بلغة تاريخية مشحونة لها حمولة دموية وثقيلة في الذاكرة الإسلامية. هذا الانزلاق، في حد ذاته، يفرغ الخطاب الديني من روحه المقاصدية، ويقوض الثقة في المؤسسات بدل تعزيزها.

الأكثر إثارة للتساؤل، كما يشير الدكتور محمد حامي الدين، هو انتقائية التدخل الديني. إذ في الوقت الذي يُشدد فيه الخطاب الرسمي على الخطباء المنتقدين للخطبة الموحدة، لا نكاد نلمس الحزم نفسه في مواجهة ظواهر أخطر، مثل إنكار السنة، أو السخرية من القرآن، أو التشكيك في الثوابت الجامعة، أو العبث بمفهوم “التمغربيت” وضرب الهوية الدينية والثقافية للمغاربة.

فكيف يمكن الحديث عن “تسديد التبليغ” بينما يُضيَّق على الخطيب الذي يتفاعل مع قضايا حيه ومدينته، دون أن يمس الثوابت أو يهدد النظام العام؟ وكيف يستقيم خطاب ديني يطالب بالالتزام الحرفي بخطبة مركزية، لكنه يغض الطرف عن خطابات تشكك في أصول الدين ورموزه؟

لقد تميز النموذج الديني المغربي تاريخياً بقدرته على الموازنة بين الثابت والمتغير، وبين المرجعية الشرعية والواقع الاجتماعي، وبين سلطة العلم ومسؤولية الحرية. ولم يكن إشعاعه في إفريقيا وأوروبا وليد خطاب موحد جامد، بل ثمرة إسلام وسطي، يرفض التعصب كما يرفض الوصاية المطلقة، ويؤمن بأن قوة الدين في إقناعه لا في فرضه.

إن الخوف الحقيقي ليس من اختلاف الخطباء، بل من تجفيف روح الخطبة وتحويلها إلى نشرة إدارية، تُقرأ دون تفاعل، وتُلقَى دون أثر. وعندما يُدار الاختلاف بمنطق الاتهام بدل الحوار، فإن النتيجة تكون عكسية، لا تخدم لا الدين ولا الدولة ولا المجتمع.

وفي النهاية، يظل النقاش حول الخطبة الموحدة فرصة لإعادة التفكير في حكامة الشأن الديني، على أساس الثقة، والانفتاح، واحترام التعدد داخل الوحدة، بدل توسيع دائرة الشك والتخوين. فالدين الذي صمد قروناً بالتعدد والاجتهاد، لا يمكن أن يُحمى بإقصاء أصوات النقد، بل بترشيدها ودمجها في نقاش مسؤول.

مقالات ذات صلة :

https://ecopress.ma/?p=95330

شارك المقال

مقالات ذات صلة

تملك السكن بعد الكراء.. موظف في وزارة التعمير يردعلى مقترح البرلماني أوزين
بناء و عقار

تملك السكن بعد الكراء.. موظف في وزارة التعمير يردعلى مقترح البرلماني أوزين

أثار مقترح الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، بشأن اعتماد نظام الكراء المفضي إلى التملك، نقاشا حول جدوى هذا النموذج وإمكانية تحويله إلى آلية فعلية لتمكين المواطنين من تملك...

0 دقائق للقراءة
مصطفى الفن: ست سنوات على “اتفاقات أبراهام”.. ماذا جنت الدول العربية المطبّعة غير الخيبات؟
تحليلات و آراء

مصطفى الفن: ست سنوات على “اتفاقات أبراهام”.. ماذا جنت الدول العربية المطبّعة غير الخيبات؟

بعد نحو ست سنوات على توقيع اتفاقات أبراهام بين إسرائيل وعدد من الدول العربية برعاية أمريكية، تعود النقاشات حول حصيلة هذه الاتفاقات وحدود ما حققته للدول الموقعة عليها، في ظل...

1 دقيقة للقراءة
مصطفى بن عبد الغفور يكتب الرخص التجارية.. حين ينتقل المشكل من مدينة إلى أخرى ويبقى التاجر في قاعة الانتظار
تحليلات و آراء

مصطفى بن عبد الغفور يكتب الرخص التجارية.. حين ينتقل المشكل من مدينة إلى أخرى ويبقى التاجر في قاعة الانتظار

رغبة مني في مشاركة الإخوة هذا النقاش، باعتبارنا كتجار ومهنيين معنيين جميعاً بهذا الملف، أعتقد أن ما يجري اليوم بالرباط لا ينبغي التعامل معه باعتباره شأناً محلياً يخص تجار العاصمة...

1 دقيقة للقراءة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 − 11 =