الإسمنت بالمغرب حين تضيق دائرة المنافسة

في ظل استمرار ارتفاع كلفة السكن والبناء بالمغرب، بات امتلاك منزل أو تشييده بالنسبة إلى شريحة واسعة من المغاربة أكثر صعوبة. ويأتي ذلك في وقت لم تعد فيه أسعار العقار وحدها تشكل مصدر القلق، بل امتدت الضغوط إلى مختلف مكونات البناء، من اليد العاملة إلى مواد البناء الأساسية.
ومع تنامي كلفة المشاريع السكنية، يبرز السؤال حول العوامل التي تقف وراء هذا الغلاء، ومدى ارتباطها بتطور أسعار المدخلات وبنية الأسواق التي تتحكم في توفيرها.
الإسمنت يثير الجدل
ومن بين هذه المواد، يبرز الإسمنت باعتباره إحدى الركائز الأساسية في قطاع البناء. وهو ما يجعل تطور أسعاره وبنية سوقه محط اهتمام مباشر، ليس فقط بالنسبة إلى المنعشين والمقاولين، وإنما أيضا بالنسبة إلى المواطن الذي يتحمل في النهاية جزءا من كلفة هذه الزيادات.
ومن هنا عادت إلى الواجهة تساؤلات وانتقادات بشأن طبيعة المنافسة داخل سوق الإسمنت. وذلك وسط اتهامات تصدر من بعض الفاعلين بوجود نوع من “الاحتكار” أو “الهيمنة” التي قد تحد من المنافسة وتبقي الأسعار عند مستويات مرتفعة.
غير أن توصيف السوق بـ”الاحتكارية” يظل بحاجة إلى تدقيق اقتصادي وقانوني. خصوصا أن تركيز السوق في يد عدد محدود من الشركات لا يعني تلقائيا وجود احتكار أو ممارسة منافية لقواعد المنافسة.
تركز الفاعلين
وفي هذا السياق، كشف مجلس المنافسة- في تقرير رأي أصدره في فبراير الماضي حول السير التنافسي لسوق مواد البناء مع اتخاذ سوق الإسمنت نموذجا- أن سوق الإسمنت المغربية تتسم بدرجة مرتفعة من التركّز.
وسطر المجلس على استحواذ ثلاثة فاعلين رئيسيين على ما بين 80 و90 في المائة من السوق الوطنية الموجهة إلى أوراش البناء. فيما تظل أسعار الإسمنت في المغرب، وفق المقارنة التي أوردها التقرير، أقل من مستوياتها في عدد من الدول الأوروبية. فقد بلغ متوسط السعر المغربي نحو 96 أورو، أي ما يعادل حوالي 1051 درهما للطن، سنة 2023.
لكن الصورة التي يرسمها المجلس لا تتوقف عند مستوى التركّز الصناعي، إذ يرصد أيضا اختلالات في بعض حلقات التوزيع. ومن بينها ممارسات مرتبطة بفواتير لا تعكس في بعض الحالات الكميات الحقيقية المقتناة، ومعاملات تتم خارج المساطر المحاسبية الرسمية. وذلك بما قد يمس بشفافية السوق وتكافؤ الفرص بين الفاعلين.
وتطرح هذه المعطيات سؤالا جوهريًا حول ما إذا كان التركّز المرتفع الذي يطبع سوق الإسمنت بالمغرب يظل مجرد سمة بنيوية لسوق تتطلب استثمارات كبيرة، أم أنه يتحول إلى عامل يحد من ديناميتها التنافسية.
سوق مغلقة
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي مهدي فقير أن “كل سوق يوجد فيها تركيز تعد سوقا مغلقة”. وذلك حسب ما أدلى به لصحيفة “إيكو بريس” الإلكترونية.
وأوضح فقير أن ارتفاع التركّز، خصوصا عندما يتعلق الأمر بسوق استراتيجية، “يؤثر على تركيبتها ويدفع بأن هذه السوق تبقى تعاني نوعا من الجمود لأنها لا تتمكن من التطور بالشكل المطلوب بحكم محدودية الفاعلين فيها”.
ويستند هذا الطرح إلى كون المنافسة لا ترتبط فقط بعدد الشركات الموجودة في السوق، وإنما أيضا بقدرتها على دفع بعضها البعض إلى تطوير العرض ومواكبة الطلب.
ويوضح فقير أن السوق عالية التنافس تعرف “نوعا من التدافع الاقتصادي والتدافع المنافساتي الذي يطور العرض ويساير الطلب بشكل أفضل”. وذلك بما يحول دون أن يصبح العرض مفروضا على المستهلك أو أن يتحول الطلب إلى طلب “منمط” وفق ما هو متاح فقط.
ومن هذه الزاوية، فإن محدودية عدد المتدخلين لا تطرح فقط سؤال الحصص السوقية، وإنما تطرح أيضا سؤال حيوية السوق وقدرتها على التجدد والاستجابة لحاجات الاقتصاد والمستهلكين.
غير أن الخبير الاقتصادي يتحفظ في الوقت ذاته عن إطلاق وصف الاحتكار على سوق الإسمنت. معتبرا أنه “من الصعب الحديث عن احتكار لأنه لا تكون هناك منافسة كبيرة على عدد محدود من المتدخلين”.
وبالتالي، فإن الإشكال، وفق هذا التصور، لا يكمن بالضرورة في وجود احتكار بالمعنى القانوني، وإنما في محدودية الضغط التنافسي داخل سوق تظل محكومة بعدد محدود من الفاعلين.
انعكاس على الأسعار والعرض
وهذا الضغط المحدود، بحسب فقير، لا يبقى محصورا في بنية السوق، بل يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على الأسعار.
ويؤكد الخبير ذاته أن “التركز يؤثر على أسعار الإسمنت بحيث تبقى الأسعار في مستويات معينة”. معتبرا أن “محدودية الضغط التنافسي واقع معاش بحكم أن الأسعار متماثلة بين مجموع الفاعلين الاقتصاديين”.
وبالنسبة لفقير، فإن غياب الضغط التنافسي الكافي يحرم السوق من إحدى أهم وظائف المنافسة، والمتمثلة في دفع الفاعلين إلى البحث المستمر عن تحسين العرض والأسعار وشروط تقديم الخدمة.
ويضيف الخبير الاقتصادي أن المسألة لا ترتبط فقط بارتفاع الأسعار في حد ذاته، وإنما بغياب الهوامش التي يمكن أن تخلقها المنافسة بين الفاعلين من أجل تطوير العرض.
فـ”بغض النظر عن ذلك لا توجد هوامش مشروعة لغياب الضغط التنافسي من أجل تطوير العرض بحيث يؤدي إلى انخفاض الأسعار وتقديم أفضل ودعم أفضل للسوق”.
وهو ما يجعل النقاش حول سوق الإسمنت يتجاوز مسألة السعر إلى مدى قدرة المنافسة على تحسين العرض وتوسيع الخيارات المتاحة أمام مختلف المتدخلين والمستهلكين.
أي دور للسلطات؟
وأمام هذه الوضعية، يضع فقير مسؤولية إعادة تنشيط السوق في جزء منها على عاتق السلطات. معتبرا أن التدخل ينبغي أن ينطلق من تسهيل الولوج إلى السوق وإعادة تنظيمها بما يسمح بكسر نمطية التعامل مع الفاعلين.
وفي هذا الإطار، يرى أن من الضروري “أن يكون هنالك تدخل أكبر للمقاولات الصغرى والمتوسطة خصوصا في مجال التوزيع”. إلى جانب خلق شراكات بين القطاعين العام والخاص، أو بين الفاعلين في القطاع الخاص بمواكبة الدولة. وذلك بهدف تطوير العرض “كما وكيفا” و”دمقرطة الولوج إليه”.
ولا يقف مقترح الخبير عند حدود توسيع قاعدة المتدخلين، بل يربط ذلك بإعادة تشكيل خريطة السوق نفسها. معتبرا أن “منح تراخيص جديدة هو أمر جيد”، خصوصا في قطاع يتميز، بحسب تقديره، بنمط من التنظيم الجهوي، حيث “كل شركة لها تراخيص معينة جهويا”.
ومن ثم، فإن ضبط السوق، في نظره، يمكن أن يتيح “إعادة تشكيل وترميم ملامحه كما وكيفا”. وذلك بما يعيد للسوق قدرا أكبر من الحركية ويعزز قدرتها على التفاعل مع الطلب.
وبين تركيز مرتفع، وضغط تنافسي محدود، وأسعار تظل عند مستويات معينة.. فكيف تنعكس بنية سوق الإسمنت على الطرف الذي يوجد في نهاية سلسلة هذه العملية، أي المستهلك؟ وهل يمثل التركّز الحالي مصدر ضغط فعلي على القدرة الشرائية، أم أن ارتفاع كلفة البناء تحكمه عوامل أخرى تتجاوز بنية سوق الإسمنت
شارك المقال

طنجة.. شرطي يطلق النار على كلب بيتبول شرس بعد هجوم خطير على سيدة في كورنيش بلايا
انتخابات 2026 بالمغرب.. رئاسة النيابة العامة تأمر بالتصدي الصارم للمخالفات الانتخابية

مقالات ذات صلة
طنجة.. إعلان بيع عمارة مُخالفة لقانون التعمير بـ 850 مليون يثير الجدل
تثير عمارة سكنية وتجارية تقع بين منطقة الجيراري وبير الشيفاء، في مقاطعة بني مكادة بمدينة طنجة، تساؤلات بشأن مدى احترامها للقواعد والضوابط المعمول بها في مجال التعمير، بعدما تم تداول...
قانون جديد يغيّر قواعد بيع وتقسيم التجزئات العقارية بالمغرب
دخل القانون رقم 34.21 حيز التنفيذ بالمغرب، بعد نشره في الجريدة الرسمية عدد 7533 بتاريخ 10 غشت 2026، متضمنا تعديلات مهمة على القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية...
طنجة تتصدر ارتفاع أسعار العقار بالمغرب
سجلت أسعار العقارات بمدينة طنجة ارتفاعا بنسبة 2,3 في المائة على أساس فصلي خلال الفصل الثاني من سنة 2026، لتكون بذلك من بين المدن المغربية التي عرفت أقوى زيادات في...



