القائمة

اكزناية السرعتين… الفوضى عنوان المرحلة

بقلم
سمية الورياغلي
آخر تحديث: 10 مايو 2026 الساعة 12:28 صباحًا

تعد جماعة اكزناية واحدة من أكثر المناطق حركية وتوسعاً ضواحي مدينة طنجة، في اتجاه المدخل الغربي من طريق الرباط، حيث شهدت في الآونة الأخيرة تحولات بنيوية وعمرانية كبرى جعلت منها قطباً اقتصادياً واعداً ومنطقة جذب للاستثمارات العقارية والصناعية. إلا أن هذه الواجهة البراقة تخفي خلفها مفارقات صارخة وخللاً عميقاً يمس جوهر الحياة اليومية للمواطنين،

ويرى فاعلون متتبعون للشأن المحلي بعاصمة البوغاز، أننا أمام معادلة اكزناية السرعتين، سرعة فائقة في تشييد العمارات السكنية والتراخيص العقارية الكبرى وتوسيع وفتح الطرقات ، مقابل بطء شديد في حماية البشر وضمان حقوقهم الأساسية في الأمن والنظافة والعيش الكريم. هذا التقرير يسلط الضوء على الهوة الشاسعة بين الطموحات الرسمية والواقع الميداني المتردي الذي يعيشه أزيد من 95 ألف نسمة، وضعوا أنفسهم وسط صفيح ساخن من التحديات الاجتماعية والأمنية التي تستوجب مكاشفة حقيقية.

ONDA pub

نمو ديمغرافي متسارع مقابل انحدار أمني

بين مطرقة الجرائم المختلفة، والسرقة وسندان الكريساج وتجارة الممنوعات، باتت الجماعة تعيش على وقع جرائم نوعية ودخيلة صدمت الساكنة الأصلية بهولها وقسوتها. لم تعد الجريمة في اكزناية تقتصر على السرقات البسيطة، بل تحولت إلى ظواهر مقلقة جعلت العائلات تعيش حالة من الصدمة الدائمة بسبب قصص العنف التي تُتداول يومياً في الأحياء والمجمعات السكنية.

وعلى الصعيد المؤسساتي، تبرز هذه الجرائم النوعية لتكشف عجز الموارد البشرية واللوجستية الحالية عن احتواء الوضع، حيث تبدو الحاجة ملحة لتعزيز نفوذ الأمن الوطني بالمنطقة. ذلك أن تجاوز الساكنة لعتبة 95 ألف نسمة يجعل من بقاء المنطقة تحت غطاء أمني محدود من ناحية العناصر البسرية للدرك الملكي أمراً غير منطقي، ويفرض تحويلها إلى منطقة أمنية متكاملة تبسط سيادتها الصارمة في مكافحة الشوائب.

براريك تتحول إلى أوكار للأنشطة المشبوهة

في وقت يرفع فيه المغرب شعار التحديث وعصرنة المدن، تُصر جهات مجهولة على استنبات “براكات” عشوائية مخصصة لبيع (الديطاي) والممنوعات في تحدٍّ صارخ للقانون والجمالية الحضرية. ورغم تواتر الشكايات الموجهة لمصالح الدرك الملكي ضد هذه البؤر، إلا أن استمرار نشاطها وتكاثرها يطرح تساؤلات مشروعة حول الجهات التي توفر لها الغطاء والحماية بعيداً عن أعين الرقابة.

وتؤكد مصادر جمعوية انتشاراً مهولاً للأقراص المهلوسة والمشروبات الكحولية، خاصة في منطقة الدير وشواقرش بدريوين وبني سعيد واكزناية المركز التي تحولت لمسرح مفتوح لأنشطة وجوه معروفة بسوابقها. هذا الانتشار العلني يجعل الزوار والساكنة في حالة استغراب تام من كيفية ممارسة هذه الأنشطة بطريقة استعراضية، مما يعزز الشعور بغياب الردع وتواطؤ الصمت في بعض الأحيان.

تفريخ براريك ديطاي والمخدرات الصلبة يعزز فرضيات مثيرة للشكوك حول وجود جهات مجهولة تقف وراء تفريخها !!
تفريخ براريك ديطاي والمخدرات الصلبة يعزز فرضيات مثيرة للشكوك حول وجود جهات مجهولة تقف وراء تفريخها !!

النقل السري: فوضى تفرض منطق القوة

لا يمكن إنكار الدور الاضطراري الذي لعبه النقل السري في تسهيل تنقل الساكنة، في ظل الخصاص المهول في وسائل النقل العمومي الرسمية كالحافلات وسيارات الأجرة. هذا الفراغ التنظيمي جعل المواطن مرغماً على ركوب حافلات الموت لضمان وصوله إلى عمله أو منزله، وهو ما خلق اقتصاداً موازياً قائماً على الحاجة والاضطرار.

لكن هذا الفضل تحول إلى نقمة، حيث أصبح مهنيو النقل السري يعبثون بحركة السير عبر التوقف العشوائي وسط الشوارع الرئيسية وعرقلة المرور أمام أنظار الجهات الوصية خصوصا الحافلات الكبرى. وفي ظل هذه الفوضى، تظل تحركات الدرك الملكي محتشمة وغير كافية، وسط اتهامات تروج محلياً حول وجود محاباة في تنزيل الحملات الزجرية، مما يفقد القانون هيبته في شوارع الجماعة.

قطاع النظافة.. استثمارات ضخمة ونتائج مخيبة

بعد مخاض عسير وضع مسؤولي الجماعة في حرج كبير، تسلمت شركة كازا تيكنيك زمام التدبير المفوض بأسطول جديد وكلفة ناهزت 3 مليارات سنتيم سنوياً. كان من المفترض أن تنهي هذه الصفقة الضخمة معاناة الساكنة مع الأزبال، إلا أن حصيلة الأشهر الأولى توحي بأن المنطقة تتجه نحو أزمة بيئية جديدة لا تقل سوءاً عن سابقاتها.

ويعزى هذا الفشل إلى الضغط الهائل الناتج عن فوضى المحلات التجارية والمطاعم التي تساهم بالقدر الأكبر من النفايات دون ضوابط، إضافة إلى عبء المنطقة الصناعية. إذ يُفترض قانوناً أن تتوفر هذه المصانع على شركات خاصة لمعالجة نفاياتها، بدلاً من استنزاف موارد الشركة المخصصة أصلاً للأحياء السكنية، مما جعل الأزبال مشهداً مألوفاً يسيء لصورة المنطقة.

احتلال الملك العام.. الشرايين الرئيسية تحت الحصار

يعيش شارع المنصور الذهبي، الذي يعتبر الشريان الرئيسي للجماعة بداية من مدخل المنطقة ، حالة من الاختناق المروري الدائم بسبب سيطرة العربات المجرورة والباعة المتجولين على جنبات الطريق. يجد أصحاب السيارات أنفسهم مجبرين على القيام بمناورات صعبة وخطيرة للمرور، خاصة عند مدخل سوق السمارة، وهو ما يطرح علامات استفهام كبرى حول غياب السلطات المحلية عن تنظيم هذا المرفق الحيوي.

الحياة الحضرية في جماعة اكزناية تعرف تراجعات سوات إلى الوراء حيث كانت مظاهر البداوة والفوضى
الحياة الحضرية في جماعة اكزناية تعرف تراجعات سوات إلى الوراء حيث كانت مظاهر البداوة والفوضى

أما في المجمع الحسني، وتحديداً منطقة فيرساي، فقد وصل التعدي على الملك العام إلى مستويات بشعة، حيث استولت المحلات التجارية على الأرصفة بالكامل. هذا الترامي القسري دفع بالراجلين، بمن فيهم الأطفال والمسنون، إلى السير وسط طريق السيارات معرضين حياتهم لخطر الدهس، في ظل صمت مطبق من طرف السلطات المعنية بتحرير الملك العمومي.

حصار الشاحنات للمجمعات السكنية

يعاني سكان مجمع الرمايك (المجمع الحسني 3) من مشكلة مزمنة تتمثل في اتخاذ الشاحنات الكبيرة من شوارع المجمع مواقف دائمة لها. ورغم السيل العارم من الشكايات والتحركات الإعلامية التي طالبت بوضع حد جذري لهذا المشكل، إلا أن السلطات المحلية ظلت عاجزة أو متقاعسة عن إيجاد حل ينهي معاناة الأسر مع ضجيج المحركات وتلوث الهواء.

هذا الحصار لا يقتصر خطره على عرقلة السير فحسب، بل يتجاوزه إلى تهديد أمن الساكنة، حيث توفر هذه الشاحنات الضخمة ليلاً زوايا مظلمة تساهم في تسهيل عمليات السرقة والاعتداءات. إن بقاء الوضع على ما هو عليه يحول المجمعات السكنية من فضاءات للراحة إلى مرائب مفتوحة تفتقر لأبنى مقومات السكن اللائق والآمن.

“ابن بطوطة”.. مدينة جديدة باسم رنان وواقع معزول

في جولة بأحد أكبر المشاريع العمرانية بالجماعة، نصل إلى المدينة الجديدة ابن بطوطة، التي رُوج لها كقطب عقاري نموذجي يضمن العيش الكريم لآلاف الأسر. غير أن الواقع الميداني يضع هذه المدينة خارج دائرة اهتمام السلطات العمومية والأمنية، حيث تحولت الأحلام الوردية للقاطنين إلى كوابيس يومية مع غياب الخدمات الأساسية.

وتعاني المنطقة من عزلة خانقة ناتجة عن ضعف شبكة النقل العمومي، وتردي خدمات النظافة، وغياب الإنارة العمومية في أزقة وشوارع بأكملها. هذا التهميش جعل القاطنين يعيشون حالة من التذمر والاستياء، لاسيما مع غياب مراكز صحية أو إدارية تواكب هذا التوسع العمراني، مما يجعل اسم المدينة الجديدة مجرد شعار تسويقي لا يمت للواقع بصلة.

الشواهد الإدارية: مخطط رسمي قسم ظهر الساكنة

تحت ذريعة محاربة البناء العشوائي، اصطدم طموح المواطنين في اكزناية بجدار البلوكاج الإداري المتعلق بالشواهد الإدارية الخاصة بالتزويد بالماء والكهرباء. ورغم نبل المقصد من الناحية المبدئية، إلا أن طريقة تنزيل المذكرات الولائية عرفت خللاً واضحاً أدى إلى معاقبة آلاف المواطنين الذين شيدوا منازلهم قبل سنوات بطرق كانت قانونية حينها.

وتشير المعطيات إلى ركود أزيد من 1500 طلب شهادة إدارية في رفوف الجماعة دون أي رد يذكر، مما خلق حالة من الاحتقان الاجتماعي الكبير. ويبقى السؤال المرير: هل محاربة العشوائي تبدأ بمنع الماء والكهرباء عن أسر تعيش في منازل قائمة بذاتها، بينما يستمر تعطل تصميم التهيئة الذي يعتبر الحل الحقيقي والوحيد لضبط التوسع العمراني؟

الشهادة الإدارية

البطالة.. المورد الجديد والخطير في اكزناية

بعدما كانت اكزناية لسنوات طويلة قبلة ليد العاملة من مختلف مناطق طنجة للعمل في أوراش البناء، أصبحت اليوم منبتاً للبطالة القسرية. فبفعل تعثر تصميم التهيئة وتجميد الرخص، توقف شريان الحياة الاقتصادي الذي كان يحرك المنطقة، مما كسر ظهر المهنيين الصغار والحرفيين الذين يعتمدون على هذا القطاع الحيوي.

هذا الركود لم يتوقف عند قطاع البناء وحده، بل جر معه أكثر من 60 مهنة مرتبطة به، مما حول المنطقة إلى بؤرة للبطالة والفقر المفاجئ. والنتيجة الطبيعية لهذا الوضع كانت ارتفاعاً ملحوظاً وتلقائياً في معدلات الجريمة والانحراف، حيث وجد الشباب أنفسهم بين مطرقة الفراغ وسندان غياب بدائل اقتصادية حقيقية توفر لهم لقمة العيش.

الحياة الحضرية في جماعة اكزناية تعرف تراجعات سوات إلى الوراء حيث كانت مظاهر البداوة والفوضى
الحياة الحضرية في جماعة اكزناية تعرف تراجعات سوات إلى الوراء حيث كانت مظاهر البداوة والفوضى

سرعتان متناقضتان وحلول غائبة !!

وعلى ما يبدو أن الرعاية المولوية السامية لمدينة طنجة قد أخذت في باشوية اكزناية منحى السرعتين المتناقضتين؛ سرعة البراق في المشاريع الكبرى، وسرعة الحلزون في معالجة القضايا الاجتماعية. إن المشهد الحالي يؤكد أن السياسة المتبعة ركزت على الحجر  وأهملت بشكل صارخ البشر الذين يمثلون روح التنمية الحقيقية.

إن استمرار هذا التخبط الاجتماعي والجمود التدبيري في مواكبة التحديات فوق رقعة المجال الترابي لجماعة اكزناية، ينذر بعواقب وخيمة على استقرار المنطقة ومستقبلها كقطب واعد. لذا، بات من الضروري والملح إعادة ترتيب الأولويات، ورفع مستوى اليقظة والجاهزية لممثل سلطات الوصاية في المنطقة، وذلك في اتجاه يجعل كرامة المواطن وأمنه ونظافة محيطه وعيشه الكريم هي المعيار الحقيقي لنجاح أي مخطط تنموي، فالتنمية التي لا تخدم الإنسان تظل تنمية عرجاء فاقدة للشرعية والجدوى.

Onda pub

شارك المقال

مقالات ذات صلة

رئاسة النيابة العامة وصندوق الإيداع والتدبير يعززان التحول الرقمي باتفاق يهم مهنة التوثيق
أخبار المغرب

رئاسة النيابة العامة وصندوق الإيداع والتدبير يعززان التحول الرقمي باتفاق يهم مهنة التوثيق

وقعت رئاسة النيابة العامة وصندوق الإيداع والتدبير، الجمعة بالرباط، بروتوكول اتفاق للتعاون والشراكة يهدف إلى رقمنة الإشعارات المتعلقة بالموثقين، في خطوة جديدة لتعزيز التحول الرقمي وتحديث آليات التنسيق بين المؤسستين....

0 دقائق للقراءة
المكتب الشريف للفوسفاط وKoch الأمريكية يطلقان مشروعا مشتركا جديدا لتعزيز إنتاج الأسمدة الفوسفاطية
أخبار المغرب

المكتب الشريف للفوسفاط وKoch الأمريكية يطلقان مشروعا مشتركا جديدا لتعزيز إنتاج الأسمدة الفوسفاطية

عززت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) وشركة Koch Ag & Energy Solutions الأمريكية شراكتهما الاستراتيجية بإطلاق مشروع مشترك جديد، عقب توقيع اتفاقية تستثمر بموجبها شركة Koch في شركة الجرف للأسمدة...

1 دقيقة للقراءة
طنجة .. الزموري يوجد ضمن لائحة البرلمانيين الذين يطرحوا أي سؤال خلال جلسات المساءلة الأسبوعية للحكومة
أخبار المغرب

طنجة .. الزموري يوجد ضمن لائحة البرلمانيين الذين لم يطرحوا أي سؤال خلال جلسات المساءلة الأسبوعية للحكومة

أعاد إعلان البرلماني محمد الزموري عزمه الترشح مجدداً للانتخابات التشريعية المقبلة فتح باب النقاش في أوساط الفاعلين من النخبة الاقتصادية والمجتمعية بمدينة طنجة حول حصيلته البرلمانية خلال الولاية الحالية، ومدى...

1 دقيقة للقراءة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 − 15 =