إيبولا في الكونغو الديمقراطية.. هل ينبغي أن يقلق المغاربة؟

بقلم الدكتور عادل زايدي، طبيب بيولوجي ومدير مختبر للتحاليل الطبية بطنجة
منذ أسابيع، يتكرر عليّ السؤال نفسه، سواء داخل المختبر أو عبر الهاتف وحتى في الشارع: «دكتور، هل فيروس إيبولا يشكل خطراً علينا في المغرب؟»
أتفهم تماماً مصدر هذا القلق، خصوصاً أمام الصور والأخبار القادمة من جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث خلف التفشي الحالي آلاف الإصابات والوفيات. لكن الخوف، في كثير من الأحيان، يتغذى من نقص المعلومات أكثر مما يتغذى من الخطر الفعلي.
ومن موقعي كطبيب بيولوجي، أعتقد أن من واجبي أن أضع المعطيات العلمية أمام المواطنين، بعيداً عن التهويل أو التقليل من خطورة المرض.
وباء خطير.. لكن طبيعة انتقاله مختلفة
يُعد إيبولا من الأمراض الفيروسية الخطيرة، ويمكن أن يؤدي إلى مضاعفات حادة ووفاة، خصوصاً في غياب التشخيص والعناية الطبية المناسبة.
لكن من المهم معرفة أن الفيروس لا ينتقل بالطريقة نفسها التي تنتقل بها أمراض الجهاز التنفسي. فهو لا ينتشر بمجرد وجود شخص مصاب بالقرب منك أو المرور بجانبه في الشارع.
وينتقل أساساً عبر الاتصال المباشر بدم أو سوائل جسم شخص مصاب، أو شخص توفي بسبب المرض، وكذلك عبر الأدوات أو الأسطح الملوثة بهذه السوائل.
كما أن الشخص المصاب لا يكون معدياً عادة قبل ظهور الأعراض.
ماذا عن الوضع الحالي في الكونغو الديمقراطية؟
تشهد جمهورية الكونغو الديمقراطية تفشياً خطيراً مرتبطاً بسلالة بونديبوجيو من فيروس إيبولا، وهي سلالة نادرة سبق أن تسببت في تفشيات محدودة.
وقد تجاوزت حصيلة الحالات والوفيات آلافاً عدة، ما يؤكد خطورة الوضع على المستوى المحلي، خصوصاً في المناطق التي تعاني من صعوبات أمنية ولوجستية تعرقل الوصول إلى المرضى وتتبع المخالطين.
ومع ذلك، فإن خطورة الوضع في منطقة معينة لا تعني تلقائياً أن الفيروس أصبح يشكل خطراً وبائياً مماثلاً في جميع الدول.
وهل يجب أن يقلق المغرب؟
الجواب الذي أقدمه للمواطنين هو: اليقظة مطلوبة، لكن لا داعي للهلع.
المغرب، بحكم موقعه وحركة السفر الدولية، ليس معزولاً عن المخاطر الصحية العالمية. لذلك فإن أنظمة المراقبة الوبائية والاستعداد للتعامل مع الحالات الوافدة تظل أمراً ضرورياً.
لكن انتقال شخص مصاب إلى بلد آخر لا يعني بالضرورة حدوث انتشار واسع للمرض. فطبيعة انتقال إيبولا تسمح، عند اكتشاف الحالات بسرعة، باتخاذ إجراءات فعالة تشمل العزل، وتتبع المخالطين، ومراقبة الأشخاص الذين تعرضوا للعدوى المحتملة.
ما الأعراض التي يجب الانتباه إليها؟
تظهر أعراض إيبولا عادة بعد فترة حضانة تتراوح بين يومين و21 يوماً.
وقد تبدأ بحمى، وتعب شديد، وآلام في العضلات، وصداع، والتهاب في الحلق، قبل أن تتطور لدى بعض الحالات إلى أعراض أكثر خطورة، من بينها القيء والإسهال والنزيف.
غير أن هذه الأعراض ليست خاصة بإيبولا، ويمكن أن تظهر في العديد من الأمراض الأخرى. لذلك لا يمكن تشخيص المرض اعتماداً على الأعراض وحدها، بل يجب أخذ السفر الحديث ومصدر التعرض المحتمل بعين الاعتبار وإجراء الفحوصات المناسبة في إطار صحي متخصص.
ماذا يفعل الشخص القادم من منطقة متضررة؟
إذا عاد شخص من منطقة تشهد تفشياً نشطاً، فمن المهم أن يراقب حالته الصحية خلال فترة الحضانة، وأن يتواصل مع الجهات الصحية المختصة إذا ظهرت عليه أعراض مقلقة.
والأهم هو أن يخبر الطاقم الطبي بوضوح عن تاريخ السفر والأماكن التي زارها وأي مخالطة محتملة لشخص مصاب.
هذه المعلومات قد تكون حاسمة بالنسبة إلى الطبيب والسلطات الصحية لاتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية المريض ومحيطه.
لا للهلع.. ولا للاستهانة
إيبولا مرض خطير، وهذه حقيقة لا ينبغي التقليل منها. لكن تحويل هذه الحقيقة إلى مصدر للهلع الجماعي أمر غير مفيد أيضاً.
المواطن المغربي لا يحتاج إلى الخوف من مجرد مخالطة الناس أو التنقل في الأماكن العامة بسبب وجود تفشٍ في بلد آخر. المطلوب هو الاعتماد على المعلومات الصادرة عن الجهات الصحية المختصة، وتجنب الشائعات والمعلومات غير الموثوقة.
وفي المقابل، فإن السفر إلى المناطق التي تعرف انتشاراً نشطاً للمرض يستوجب احترام توصيات السلطات الصحية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالسفر غير الضروري.
في مواجهة إيبولا، تبقى المعرفة واليقظة والتصرف السليم أهم من الخوف.
والرسالة التي أود توجيهها للمواطنين واضحة: لا داعي للهلع، لكن علينا أن نبقى يقظين، وأن نثق في المعلومة الطبية الموثوقة، وأن نترك للجهات الصحية المختصة مهمة تقييم مستوى الخطر واتخاذ الإجراءات اللازمة.
شارك المقال
مقالات ذات صلة
مهنيّو الصحة بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة يحتجون أمام الإدارة العامة للمجموعة الصحية الترابية
يستعد مهنيّو الصحة بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة، غدا الخميس فاتح أكتوبر 2026، لخوض وقفة احتجاجية جهوية أمام مقر الإدارة العامة للمجموعة الصحية الترابية بطنجة، على خلفية ملفات ومطالب مهنية واجتماعية يقول العاملون...
بعد تسجيل بؤرتين بسوس ماسة.. الدكتور عادل زايدي يطمئن …التلقيح خط الدفاع الأول ضد الدفتيريا ولا مكان للهلع
تتابع الساكنة المحلية بمدينة طنجة والجهة، بكثير من الاهتمام واليقظة، المستجدات الصحية الأخيرة المتعلقة بإعلان وزارة الصحة والحماية الاجتماعية عن رصد بؤرتين عائليتين محدودتين لداء الخناق “الدفتيريا” بجهة سوس ماسة...
عكس “بروباغندا” مؤسسات الريادة.. مدارس بطنجة تواجه مراحيض متسخة وتلاميذ يعانون صعوبات التعلم
في الوقت الذي تواصل فيه الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة تقديم أرقام متقدمة حول توسع نموذج “مؤسسات الريادة”، تكشف معطيات من مصادر تربوية عن واقع مغاير داخل عدد من...




