إصلاح منظومة التّعليم.. وعود برامج انتخابيّة وإكراهات واقعيّة

في أوج الحملات الانتخابية، أعادت نتائج البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ (PISA) 2025، الذي تشرف عليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، تسليط الضوء على أزمة التعلُّمَات في المدرسة المغربية، حيث لم يكن نصيب المغرب منه إلّا 355 نقطة في الرياضيات، و321 نقطة في القراءة، و358 نقطة في العلوم، ويعكس ذلك تقهقرا عن نتائجه المسجّلة في دورة 2022.
أمام هذه الأرقام المُحرِجة، حاولت وزارة التربية الوطنية الدّفاع عن نفسِها، بحجّة أنها تتعلّق بتلاميذٍ، كانوا تلقّوا تكوينهم في حُضن المنظومة التعليمية السّابقة، ولم يستفيدوا من الإصلاحات الجديدة للحكومة، وعلى رأسها انتهاج مدارس الرّيادة.
وبصرف النظر عن تفسيرها الزمني، بيد أنّ تلك النّتائج تطرحُ بإلحاحٍ سؤال جودة المدرسة المغربية، وقدرتها على ضمان تعلّمات أساسية وكذا متينة لجميع مُتمَدرِسيها، فتتغلّبُ عن فوارق الوسط الاجتماعي أو الموقع الجغرافي أو نوع المؤسسة التعليمية.
انعراجات حادّة تلك التي عرفها قطاع التعليم المغربي، لعلّ من أبرزها استمرار توسّع التعليم الخصوصي على حساب المدرسة العمومية، فما فَتِئت جاذبيّة هذه الأخيرة تضمحلّ، ما كان من شأنه تكريس التّفاوُت سواءً في شروط التعلُّم أو الموارد المتاحة للأسر والتلاميذ؛ الحاصل أنّه كلما اتسعت الفجوة بين المؤسسات والفئات الاجتماعية، أودى ذلك بمبدأ تكافؤ الفرص التعليميّ، وعليه تُسلب المدرسة من وظيفة الارتقاء الاجتماعي، التي يفترض بها أن تؤدّيها.
تمتدّ تبعات هذه الاختلالات عند حدود المدرسة، إلى الجامعة ومن ثمّ إلى سوق الشغل؛ فما بين مخرجات منظومة التكوين وبين سوق العمل، يواجه عددٌ من الخريجين صعوبات في الانتقال من الشهادة إلى الإدماج المهني، إذل لم تضطرّهم الظّروف إلى إعادة التكوين أو قبول وظائف ، على قلّتها، لا تتناسب مع مسارهم الدراسي.
وبناءً عليه، يلازم ورش إصلاح التعليم، سؤال أشمل، يمسّ صميم مستقبل الشباب المغربي الحامل للشّهادات، فما مدى اقتدار المنظومة التعليمية والتكوينية، على إنتاج فرص حقيقيّة للاندماج الاجتماعي والمهني؟ وإذا كانت الفترة فترةً انتخابات، فإنّ البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية تحظى بأهمّيّةٍ قصوى، كونها تعكس تصورات مختلفة لإعادة بناء المدرسة العمومية ومعالجة اختلالات منظومة التربية والتكوين.
يقترح برنامج حزب العدالة والتنمية إصلاحًا، ينبني على توحيد المدرسة العمومية وتجويدِها، انطلاقًا من تَعمِيمِ التّعليم الأوّلِيّ، ومحاربة الهدر المدرسي، وتحسين جودة التعلُّمات، وتقليص الاكتظاظ والأقسام المشتركة، والنهوض بالموارد البشرية التربوية.
وفي ما يتعلق بهذه الأخيرة، تبنى الحزب موقفًا واضحًا من ملف تسقيف سن المترشحين لمباريات التعليم، وذلك من خلال إلغاء التّحديد الحالي في 35 سنة، والعودة إلى القواعد المعمُول بها في الوظيفة العمومية، إلى جانب مراجعة شروط مباريات توظيف الأطر التربوية، سيما شروط الانتقاء القبلي للمترشّحين.
وضع تحالف اليسار في صلب برنامجه، العمل على مجّانية وتوحيد المدرسة العموميةِ، بتعميم التعليم الأولي ابتِدَاء، ثمّ تقليص الاكتظاظ والهدر المدرسي، وتوفير الدعم التربوي والنقل والإطعام واللوازم المدرسية مجانًا لفائدة تلاميذ العالم القرويّ.
كما يتضمّن برنامجه همّ تحسين تكوين المدرسين وكذا وضعيتهم المهنية. أمّا بالنّسبة للمناهج، فإنّ الحزب يعتزم مراجعتها، كي تتواءم مع التفكير النقديّ والمهارات الرقمية واللغات، ويقتضي هذا الورش رفع الإنفاق على التعليم إلى 6 في المائة من الناتج الداخلي الخام في أفق 2031. لكن يخلو هذا البرنامج من أيّ موقف صريحٍ بشأن تسقيف سن المترشحين لمباريات التعليم أو شروط الانتقاء القبلي.
ويعوّل برنامج حزب التجمع الوطني للأحرار، على تحسين جودة التعلّمات، وجعل المدرسة رافعة للارتقاء الاجتماعي، من خلال تعميم مدارس وإعداديات الريادة بحلول 2028، وتوسيعها إلى الثانويات في أفق 2031، إلى جانب تعميم النقل المدرسي والمطاعم المدرسية والدعم الدراسي، فيما يهتَدِفُ خفض الهدر المدرسي إلى النّصف. غير أن البرنامج لا يتضمن موقفًا صريحًا، سواءً بشأن تسقيف سن المترشحين لمباريات التعليم أو شروط الانتقاء القبلي.
ويراهن برنامج حزب الأصالة والمعاصرة، على مدرسة عمومية، تستطيع استعادة دورها في ضمان تكافؤ الفرص والارتقاء الاجتماعي، من خلال تعميم التعليم ما قبل المدرسي ابتداءً من سن الرابعة، وتعميم النقل المدرسي والإطعام في المناطق الهشة، وتعزيز التعلمات الأساسية والقراءة والتربية البدنية، إلى جانب إحداث مسارات للامتياز المهني في الثانويات وربط التعليم العالي والتكوين بحاجات الاقتصاد. فيما لم يتبن موقفا صريحا بالنّسبة إلى ولوج مهنة التعليم، أو بشأن العدول عن تسقيف سن المترشحين أو شروط الانتقاء القبلي، وفي ذلك يتوافق مع برنامجي تحالف اليسار وكذا الأحرار، خلافًا لبرنامج العدالة والتنمية الذي خصص لهذين الملفين مقترحات واضحة.
وبينما تتعدد تصورات الأحزاب لإصلاح المدرسة وتحسين جودتها، يظل سؤال الموارد البشرية وآفاق خريجي الجامعة حاضرًا بقوة، خصوصًا بالنسبة إلى حاملي الإجازة الأساسية في شعبٍ ليس يفترض بها أن تؤدّي سوى إلى قاعات الدّرس، فإلى أي حدٍّ يمكن لشروط السن والانتقاء في مباريات التعليم أن تضيّق فرص هذه الفئة في الولوج إلى المهنة، في ظل إكراهات الاندماج في سوق الشغل؟ وهل تتضمن الإصلاحات المقترحة ما يكفي لربط التكوين الجامعي بفرص حقيقية للإدماج المهني، أم أن جزءً من المجازين سيظل محكوما عليه أبدًا بالتّهميش؟
شارك المقال

مستثمر في القنب الهندي يدخل سباق انتخابات 2026 بالحسيمة
انتخابات 23 شتنبر.. تفاصيل أعداد المترشحين واللوائح والأحزاب المشاركة

مقالات ذات صلة
غضب شعبي من مشاركة أكاديميين مغاربة في لقاء تطبيعي بعسقلان المحتلة
خلفت مشاركة أكاديميين مغاربة في لقاء تطبيعي بمؤتمر حول التعايش بمدينة عسقلان المحتلة، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، غضبا شعبيا واستنكارا واسعا، خاصة في الأوساط الجامعية، في ظل استمرار الجرائم...
انقطاع دواء “الإيمونوغلوبولين البشري ” يضع حياة المرضى في دائرة الخطر بجهة طنجة
تعيش عشرات الأسر بمدينة طنجة والنواحي على وقع معاناة صحية ونفسية مريرة، جراء الفقدان التام لدواء “الإيمونوغلوبولين البشري” (Immunoglobuline Humaine) من المستشفيات العمومية بالجهة، وفي مقدمتها المركز الاستشفائي الجهوي محمد...
أزمة ثانوية “الإمام الغزالي” بطنجة تتفاقم على وقع “إهانة أستاذ” واستمرار الأشغال بالمؤسسة
تتواصل حالة الاحتقان داخل ثانوية الإمام الغزالي التأهيلية التابعة للنفوذ الترابي لمقاطعة بني مكادة بمدينة طنجة، في ظل استمرار الأشغال العشوائية داخل المؤسسة وما يرافقها من اكتظاظ في الفصول الدراسية،...



