القائمة

أرواح معلقة على حافة الوجع: مغاربة الأمراض المناعية والنادرة.. صرخات حبيسة و”حرقة” نحو أمل العلاج

بقلم
مريم بنعلي
نُشر: 26 أغسطس 2026 الساعة 1:32 مساءً
أرواح معلقة على حافة الوجع: مغاربة الأمراض المناعية والنادرة.. صرخات حبيسة و"حرقة" نحو أمل العلاج
أرواح معلقة على حافة الوجع: مغاربة الأمراض المناعية والنادرة.. صرخات حبيسة و"حرقة" نحو أمل العلاج

بين ردهات المستشفيات وأروقة الصمت، يعيش آلاف المغاربة ممن تقاطعت أجسادهم مع قسوة الأمراض المناعية والنادرة فصولا يومية من المعاناة المزدوجة. فإذا كان المرض في حد ذاته معركة بيولوجية ضارية تخوضها الخلايا ضد ذاتها، فإن المعركة الأكبر والأكثر مرارة تكمن في خوض هذا الغمار وحيدين، وسط منظومة صحية لا تزال تعامل مع هذه الحالات بالحد الأدنى من الرعاية، وغياب تام لإستراتيجية وطنية واضحة من طرف الوزارة الوصية تدفع بالمئات نحو خيارات قاسية ومصير مجهول.

الأمراض المناعية والنادرة.. ​رحلة تيه تبدأ بالتشخيص وتنتتهي بـ “المقصلة المادية”

تبدأ حكاية الوجع بالنسبة لمرضى الأمراض النادرة والأمراض المناعية المزمنة (كالتهاب المفاصل الروماتويدي، الذئبة الحمراء، التصلب اللويحي، وغيرها) منذ اللحظة الأولى للبحث عن تشخيص. ففي غياب التخصصات الدقيقة وتقادم التجهيزات في المستشفيات الإقليمية والمحلية، يضيع المريض في متاهات المواعيد الطويلة والتنقلات المكلفة. وغالبا ما يأتي التشخيص النهائي بعد فوات الأوان، حين تكون الأنسجة أو الأعضاء الحيوية قد تعرضت لتلف شبه دائم.

لكن الصدمة الأكبر لا تتوقف عند عتبة التشخيص، بل تبدأ فعليا عند صفحة الوصفة الطبية. فهذه الفئة من الأمراض ترتبط بأدوية بيولوجية متطورة وموجهة لا يقبل البديل فيها القسمة على اثنين؛ أدوية باهظة الثمن تحولت إلى ما يشبه “المقصلة المالية” التي تلتهم مدخرات الأسر البسيطة. ورغم الورش الملكي التاريخي لتعميم الحماية الاجتماعية، إلا أن بطء مساطر الإبراء، وتعقيدات استرجاع المصاريف، ورفض تغطية بعض العقاقير المبتكرة، يترك المرضى في مواجهة مباشرة مع خطر الموت المبطن بالفقر والعجز.

حين تصبح “قوارب الموت” طوق النجاة الوحيد

أمام انسداد الأفق وغياب البدائل المؤسساتية، تحولت قسوة المرض في بعض الأحيان إلى دافع لهجرة قسرية غير مأمونة العواقب نحو الضفة الأخرى، بحثاً عما يفترض أن توفره الدولة في وطن الأم.

حكايات من رحم اليأس:

يقول (ح/ش)، شاب طنجاوي في مقتبل العمر، طالب جامعي وإمام مسجد، بعد تشخيص إصابته بمرض مناعي: “معاناتي الحقيقية لم تكن أبدا تتعلق بألم المرض ومضاعفاته بقدر ما هي مرتبطة ببيروقراطية ومحدودية القطاع الصحي في بلدنا، والذي كلفني انتظار سنتين كاملتين لمجرد التشخيص! لأقرر في الأخير خيار الهجرة (حرق الفيزا). حاليا أتلقى العلاج في إسبانيا في ظروف أقل ما يقال عنها أنها تحترم إنسانيتي؛ فرغم أني لا أتوفر على أوراق إقامة، فإني أتلقى العلاج في المستشفيات الحكومية الإسبانية مجانا، وأستفيد من أدوية تتجاوز كلفتها 12000 درهم شهريا”.

وفي السياق ذاته، تسرد “أم آدم” قصة أخرى من قصص الصبر والشتات: “يعاني صغيري ذو الخمس سنوات من مرض مناعي نادر ناتج عن طفرة جينية. وفي لحظة يأس تام، اتخذت القرار الذي أعتبره مصيريا؛ أخذت صغيري والتحقت بإسبانيا (حرق الفيزا)، بينما عاد زوجي وباقي الأبناء للمغرب. أنا هنا أواكب رحلة علاج مع طفلي رغم مرارة الغربة والبعد الأسري وتشتت أوصال الأسرة، لكن تحسن حالة صغيري تدريجيا جعلني أتجاوز كل الأزمات”.. ثمن باهظ تدفعه الأسر المغربية لمجرد ضمان الحق في العلاج.

المستشفيات الجامعية الجديدة.. وعود على ورق

​لم تعد المعاناة حبيسة المناطق النائية، بل امتدت لتطال حتى المستفدين من البنيات الاستشفائية الكبرى التي عُلق عليها الكثير من الآمال.
​توضح فاطمة (24 سنة)، التي تعاني من مرض الروماتيزم المزمن الناتج عن خلل مناعي شخص طفولتها، قائلة: “كنت أتابع العلاج في الرباط منذ سنوات حيث أتلقى جرعات دورية من علاج باهظ الثمن. لكن بعد إنشاء المستشفى الجامعي بطنجة منذ سنتين وتحويل ملفي الطبي إليه، أصبح كابوسا حقيقيا؛ ففي كل مرة أتوجه للمركز يخبرونني بأن الدواء الجيني الخاص بحالتي غير موجود، رغم توفري على التغطية الصحية (AMO). قبل أن يكتب لي الطبيب ورقة ويطلب مني إحضاره من صيدلية خاصة، لأتفاجأ أن ثمنه يفوق 4000 درهم لجرعة أسبوعين، والأمرّ من ذلك أنه مفقود وغير متوفر حتى في الصيدليات الخاصة! حالتي تتدهور بشكل كبير، وأناشد السيد مدير المستشفى الجامعي أن يجد لنا حلا، فنحن مواطنون مغاربة ولسنا مجرد أرقام في سجلاتهم الطبية”.

صرخات على حافة الأمل: ماذا يطلب المرضى؟

إن إنصاف مغاربة الأمراض المناعية والنادرة لم يعد ترفا حقوقيا، بل هو واجب إنساني ودستوري يفرض تدخلا عاجلا وفق محاور أساسية:
​1- إحداث سجل وطني رسمي لضبط الأعداد الحقيقية للمرضى، وتوفير الأدوية بالكميات الكافية دون خصاص.
2- مراجعة لائحة الأدوية المعوض عنها، و الإسراع بإدراج الأدوية البيولوجية والمبتكرة ضمن سلة الأدوية المدعمة، وتبسيط مساطر التعويض دون شروط تعجيزية.

​3- تفعيل دور المستشفيات الجامعية الجهوية ومدها بالمخزون الكافي من الأدوية الحيوية لإنهاء معاناة التنقل والخصاص الذي يواجه المرضى المحليون (كما هو حال مستشفى طنجة).
4- الدعم النفسي والاجتماعي: إدماج المواكبة النفسية ضمن مسار العلاج، وتسهيل الولوج إلى بطاقة الإعاقة والدعم لمن فقدوا قدرتهم على العمل.
5- ​إن آلام هؤلاء المرضى ليست مجرد أرقام مهملة في التقارير الطبية، بل هي أرواح مغربية تصرخ في وجه البيروقراطية بحثا عن حقها المشروع في الحياة والكرامة.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

إهمال الصيانة والصباغة يلاحق بنايات المدارس العمومية مع اقتراب الموسم الدراسي
صحة و تعليم

إهمال الصيانة والصباغة يلاحق بنايات المدارس العمومية مع اقتراب الموسم الدراسي

على بعد أسابيع قليلة من قرع جرس بداية الموسم الدراسي الجديد، ترزح العديد من المدارس العمومية تحت وطأة الإهمال وغياب أبسط شروط التهيئة. ففي الوقت الذي تتسابق فيه المؤسسات التعليمية...

1 دقيقة للقراءة
أطباء الولادة في مرمى الانتقادات.. العملية القيصرية جريمة في حق الأمهات واستنزاف لخزينة CNSS
صحة و تعليم

أطباء الولادة في مرمى الانتقادات.. العملية القيصرية جريمة في حق الأمهات واستنزاف لخزينة CNSS

أثارت الارتفاعات المسجلة في معدلات الولادات عن طريق العمليات القيصرية بالمغرب انتقادات واسعة، لتضع أطباء التوليد والمصحات الخاصة في دائرة المساءلة. وفي هذا السياق، فجر الخبير الاقتصادي سمير شوقي انتقادات...

1 دقيقة للقراءة
تعديل مسار حافلات رقم 2 يثير غضب الطلبة وينذر بتهديد الدخول الجامعي بطنجة
أخبار الشركات

تعديل مسار حافلات رقم 2 يثير غضب الطلبة وينذر بتهديد الدخول الجامعي بطنجة

مع اقتراب موعد الدخول الجامعي، تلوح في الأفق بوادر احتقان جديد في محيط كليتي الحقوق والعلوم ببوخالف بمدينة طنجة. ويعود سبب هذا التوتر إلى قرار مفاجئ اتخذته شركة النقل الحضري...

0 دقائق للقراءة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 + 8 =