وفاة دعاء بولعيش تعيد سؤال العدالة الصحية بالفحص أنجرة.. إمكانيات طبية متطورة داخل ميناء طنجة المتوسط وغياب مستشفى قريب للساكنة

أعادت فاجعة وفاة الطفلة دعاء بولعيش، رحمها الله، إثر نوبة ربو حادة، النقاش حول الواقع الصحي المرير بإقليم الفحص أنجرة إلى الواجهة، ومدى قدرة البنية الطبية المتوفرة بالمنطقة على الاستجابة للحالات المستعجلة، في ظل المسافات التي تضطر ساكنة عدد من الجماعات والمداشر بالمنطقة إلى قطعها للوصول إلى أقرب مؤسسة صحية مجهزة.
وقد أسلمت الطفلة الروح لبارئها بسبب تأخر حصولها على الإسعافات الأولية، نظرا لبعد أقرب مستشفى عن مقر سكناها بـ 35 كيلومترا بمدينة طنجة، وهي مسافة تتحول إلى كابوس حقيقي خلال مساءات فصل الصيف بسبب الاكتظاظ المروري على الطريق الرابطة بين قصر الصغير وطنجة، مما قد يؤخر رحلة الوصول لأكثر من ساعتين.
وعلى إثر هذه الواقعة المؤلمة أثار الناشط محمد ربيع الخنشوف، عبر صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك، تساؤلات حول الفوارق في الإمكانيات الطبية بين المنطقة المينائية لطنجة المتوسط والمجالات السكنية المحيطة بها.
منظومة طوارئ داخل ميناء طنجة المتوسط
وتبرز هذه الواقعة، بحسب الطرح الذي قدمه ربيع الخنشوف، مفارقة صارخة بالنظر إلى توفر ميناء طنجة المتوسط على منظومة خاصة للرعاية الطبية والاستجابة للحالات الطارئة.
وتوضح المعطيات المنشورة على الموقع الرسمي لسلطة ميناء طنجة المتوسط أن السلطة المينائية أنشأت مركزا للرعاية الطبية بهدف توفير الرعاية الطبية العاجلة داخل المنطقة المينائية في حالة وقوع حادث أو مرض خطير، وتعزيز وسائل الاستجابة والإغاثة في حالات الطوارئ أو الكوارث.
ويقدم المركز، وفق المعطيات نفسها، الرعاية الطارئة داخل المركب المينائي، كما يوفر النقل البري للأفراد المحتاجين إلى مزيد من الرعاية الصحية بواسطة سيارات إسعاف مخصصة لهذا الغرض، بحضور طبيب و/أو ممرض مجاز من الدولة، إلى مستشفى أو مصحة متخصصة في طنجة أو تطوان.
كما يتولى المركز، بناء على طلب من السلطة المينائية، الاستشارات الطبية والتدخلات المستعجلة والنقل البري لأفراد الطواقم العاملة على متن السفن المتوقفة بميناء طنجة المتوسط، إضافة إلى الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة والرعاية الطبية الطارئة.
بين الاستثمارات الكبرى والحاجات الصحية للساكنة
وتطرح هذه المعطيات سؤالا أوسع حول مدى استفادة ساكنة المناطق المجاورة للمركب المينائي من الدينامية الاقتصادية والاستثمارات الكبرى التي يعرفها الإقليم، خصوصا على مستوى الخدمات الأساسية ذات الطابع الحيوي.
ففي الوقت الذي تتوفر فيه المنطقة المينائية على تجهيزات وآليات مخصصة للتدخل في الحالات الطارئة، لا تزال ساكنة إقليم الفحص أنجرة تواجه، صعوبات مرتبطة بالولوج السريع إلى العلاج، خاصة في الحالات التي يكون فيها عامل الوقت حاسما.
ومن هذا المنطلق، فتحت حادثة الطفلة “دعاء” الباب أمام مطالب ملحة ومشروعة للساكنة ولنشطاء المنطقة، من بينها تفعيل المسؤولية المجتمعية للشركات (CSR)، مطالبين إدارة ميناء طنجة المتوسط والمؤسسات التابعة له بلعب دورها الاجتماعي، عبر المساهمة المباشرة في تمويل وتجهيز أقسام للمستعجلات أو مراكز صحية بالمجتمعات المحلية المجاورة للميناء (مثل القصر الصغير والمداشر القريبة).
كما طالبوا بإبرام شراكات للإغاثة المستعجلة، عن طريق وضع بروتوكول إنقاذ محلي يسمح باستغلال وسائل الإسعاف والتدخل السريع التابعة للميناء، لنقل أو إسعاف الحالات الحرجة جدا في الجماعات المتاخمة عند الضرورة القصوى لإنقاذ الأرواح، إضافة مراسلة الجهات المختصة للإسراع بإخراج “المستشفى الإقليمي” المتعثر إلى الوجود، أو إحداث مركز قرب مجهز لخدمة ساكنة الفحص أنجرة، لتفادي رحلات الموت الطويلة نحو مصحات طنجة أو تطوان.
مستشفى إقليمي مؤجل منذ 2012
وتزداد حدة هذا النقاش بالنظر إلى تعثر مشروع المستشفى الإقليمي بالفحص أنجرة، الذي انطلقت أشغال بناء شطره الأول سنة 2012، غير أن المشروع لم ير النور إلى حدود اليوم، وسط غموض يلف مآله وغياب توضيحات رسمية كافية بشأن أسباب تأخر إنجازه، وكذا الكلفة المالية المرصودة لتجهيزه وموعد دخوله الخدمة.
وبعد مرور سنوات طويلة على انطلاق الأشغال، تطرح ساكنة الإقليم تساؤلات حول مصير هذا المشروع، الذي كان من المفترض أن يشكل بنية صحية أساسية لتقريب الخدمات الاستشفائية من المواطنين والتخفيف من معاناتهم في التنقل نحو طنجة أو تطوان، خصوصا بالنسبة للحالات المستعجلة التي يكون فيها عامل الوقت حاسما.
ويكتسب هذا الملف أهمية أكبر في ظل التحولات التي عرفها إقليم الفحص أنجرة خلال السنوات الماضية، بالنظر إلى توسعه العمراني والديموغرافي واحتضانه لمشاريع اقتصادية وصناعية ومينائية كبرى، مقابل استمرار الحاجة إلى بنية صحية قادرة على مواكبة هذه التحولات والاستجابة لحاجيات الساكنة.
إن غياب العدالة المجالية في توزيع الخدمات الصحية يجعل التنمية الاقتصادية الكبرى بالمنطقة منقوصة، ما لم تنعكس بشكل مباشر على حق الساكنة الأساسي في الحياة وتلقي العلاج في الوقت المناسب. فمتى ستتوفر ساكنة الفحص أنجرة على مستشفى إقليمي قريب ومجهز، يضمن لها الولوج إلى العلاج والاستجابة السريعة للحالات الطارئة؟
شارك المقال
مقالات ذات صلة
وفاة الطفلة دعاء تعيد إلى الواجهة تعثر أشغال المستشفى الإقليمي بفحص أنجرة منذ 2012
أعادت وفاة الطفلة دعاء بولعيش، بإقليم الفحص أنجرة، التي قضت جراء أزمة ربو استدعت على إثرها تدخلا طبيا عاجلا، النقاش حول وضعية العرض الصحي بالإقليم، وفي مقدّمته مشروع المستشفى الإقليمي...
جامعة عبد المالك السعدي تعلن فتح التسجيل القبلي عبر الإنترنت للموسم الجامعي 2026-2027
أعلنت جامعة عبد المالك السعدي عن فتح باب التسجيل القبلي عبر الإنترنت برسم الموسم الجامعي 2026-2027، وذلك لفائدة الطلبة الراغبين في الالتحاق بمؤسسات الجامعة. ودعت الجامعة الطلبة الجدد إلى المبادرة...
معاذ بوشعرة.. من الانقطاع عن الدراسة إلى نيل الماستر بميزة “حسن جدا”
يشكل مسار الشاب معاذ بوشعرة نموذجا لنجاح برامج «مدرسة الفرصة الثانية» في إعادة إدماج الشباب المنقطعين عن الدراسة وفتح آفاق جديدة أمامهم لمواصلة التحصيل الأكاديمي وتحقيق طموحاتهم. وانقطع معاذ بوشعرة...





