القائمة

مقال رأي.. الدكتور مصطفى الحشلوفي يكتب: تدبير المجالس الجماعية

بقلم
الدكتور مصطفى الحشلوفي
نُشر: 29 يوليو 2026 الساعة 12:00 مساءً
الدكتور مصطفى الحشلوفي يكتب: تدبير المجالس الجماعية بين الممارسات المعيبة والرهانات التنموية مكامن الخلل وآليات التقويم
الدكتور مصطفى الحشلوفي يكتب: تدبير المجالس الجماعية بين الممارسات المعيبة والرهانات التنموية مكامن الخلل وآليات التقويم

الدكتور مصطفى الحشلوفي يكتب : تدبير المجالس الجماعية بين الممارسات المعيبة والرهانات التنموية مكامن الخلل وآليات التقويم

الكافي في فهم التحالفات لتدبير الجماعات

إن المتتبع لمداولات الكثير من مجالس الجماعات الترابية من خلال ما تنقله وسائل الإعلام ، لابد أن يلاحظ المستوى المنحط للنقاش بين أعضاء هذه المجالس فيما يتعلق بقضاء حاجيات المواطنين ذات الصلة باختصاصات الجماعات الترابية، إذ من المؤكد ان يخرج هذا الأخير بانطباع عام حول رداءة أداء هذه الجماعات ونزولها لمستنقع خطير، حيث إلقاء التهم بالمجان والخروج عن مقتضى الأدب والاحترام، ناهيك عن نهج أسلوب السب والقدف والكلام الساقط في التواصل بين هؤلاء الأعضاء مما يرسخ في الأذهان لدى الكثيرين أن هذه المجالس لا علاقة لها بمصالح الناس بقدر ماهي وسيلة لتحقيق مصالح الأفراد، من خلال مواقع المسؤولية في مجالس هذه الجماعات الترابية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التشابك مع واقع تدبير الشأن الترابي على مستوى الجماعات الترابية ومواجهة مختلف مشاكله وتعقيداته و تحدياته المختلفة، لابد أن يسلط الضوء على إشكالياته المتعددة التي يظل من أبرزها مسألة التحالفات لتدبير شؤون الجماعات الترابية.

إن تشكيل التحالفات الحزبية عادة ما يثير عدة تساؤلات حول حقيقتها وطبيعتها وأهدافها، وإمكانية انسجام مكوناتها والتزامهم طيلة الفترة الانتدابية لمجالس هذه الجماعات الترابية.
وفي هذا الإطار، يظل السؤال الرئيس الذي يدور في الأذهان هو ما المحددات الأساسية لتشكيل التحالفات لتدبير الجماعات؟

وفي هذا الإطار، يتعين إدراك أن أفراد المجتمع هم بطبيعتهم مختلفون في كثير من الأمور سواء ما تعلق بالمشارب الفكرية أو التوجهات الايديولوجية لاسيما السياسية، أو ما يتعلق بالثقافات أو التمثلات الذهنية حول قيم العيش المشترك أو ما يتعلق بطبائع الخير والشر والقيم الجليلة والالتزام بالأخلاق الحميدة والوفاء بالمبادئ الثابتة… وكل هذا له انعكاس مباشر على تركيبة التحالفات مادام أن هؤلاء هم مصدر الشرعية التمثيلية في المجالس المنتخبة لهذه الجماعات الترابية.

فأفراد المجتمع منهم الصادق الأمين ومنهم الكاذب الأشر، ومنهم النزيه ومنهم الفاسد ومنهم نظيف اليد ومنهم السارق ومنهم الخلوق ومنهم الفاسق ومنهم من يحب الخمر ومنهم من يكرهه ومنهم من يشتهي النساء خارج مؤسسات الزواج، ومنهم من لا يطيقه ومنهم من يحب قيام الليل ومنهم من لا يصلي أصلا ومنهم من هو كثير الصدقة ومنهم هو بخيل حتى النخاع، ومنهم من يكثر من الصيام ومنهم من ينغمس طول النهار فيما لذ وطاب، ومنهم من يعشق التحرر في اللباس والزينة إلى أبعد الحدود، ومنهم من هو مقيد بما جاء به ناموس الشريعة… وكل ذلك بنسب متفاوتة سواء في هذا الاتجاه أو الاتجاه المعاكس، وفي بعض أو كثير من الأحيان تجد كل ما سبق ذكره أو أغلبه أو جزء منه موجود بنسب محددة لدى هؤلاء الأفراد من هذا الاتجاه وفي الوقت نفسه من الاتجاه المعاكس… وهكذا.
وعليه، فمن غير المحتمل ألا ينعكس هذا الاختلاف بهذا الشكل على تركيبة المجالس الترابية التي تدبر الشأن الترابي، بل هو أمر حاصل لا محالة ولو بمقدار معين.

وإدراك ذلك وانعكاساته على مستوى مختلف الأبعاد ذات الصلة بتدبير الشأن الترابي، لاسيما على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والنفسي بشكل عميق يعد مفتاح صياغة التحالفات الواقعية التي بإمكانها الإسهام في حل مشاكل التنمية الترابية بمختلف مستوياتها في حدود معينة.

هذا، ويجب التأكيد على أن تشكيل مجالس الجماعات الترابية استنادا إلى التحالفات الحزبية بشكل مستقل هو ضرورة سياسية ومصلحة محلية لساكنة الجماعة الترابية بامتياز خصوصا في العالم القروي، بل تعد مسألة ضرورية ومؤكدة يتعين العمل على تحقيقها، وإن وجد السبيل لتجاوزها لأن ذلك أولا هو انعكاس طبيعي لتجليات التعدية الفكرية والثقافية والسياسية للساكنة والمجتمع في تراب هذه الجماعات، ثم ثانيا هو تجسيد عملي للديمقراطية التشاركية التي تبنت روحها الدولة ولو غاب مضمونها الرئيس في بعض أو كثير من الأحيان، ولأن سيادة اللون السياسي الواحد أو المنطق الأيديولوجي الواحد مهما كان صائبا في عموم الاختيارات السياسية قد يتسبب في محاصرة التجربة التدبيرية مهما كان حجمها أو بلغ نجاحها ثم حشرها في زاوية معينة، أو عدم التفاعل مع متطلبات نجاحها بالشكل المطلوب بصرف النظر عن مؤهلات نجاحها أو أثرها التدبيري، وذلك لأسباب عدة لعل من أبرزها سيادة منطق التوازنات الفوقية التي تحرص عليها النواة الصلبة للإدارة المركزية على امتدادها الترابي من جهة وتعارض طبائع الشركاء المؤسساتيين لبعض المصالح الخارجية من حيث التوجهات السياسية و الايديولوجية… وما يترتب عن ذلك من سلوكات لا تخدم الصالح العام في كثير من الأحيان لهذه الساكنة من جهة أخرى.

وفي اتجاه آخر، تجدر الإشارة إلى أن تشكيل التحالفات يعني قبول الاختلاف مع الآخر كما هو، بصرف النظر عن توجهاته الفكرية أو الايديولوجية أو السياسية، وقبول التعامل معه دون الأخذ بعين الاعتبار قيمه الأخلاقية التي لا دخل لها في العملية التدبيرية ولا أثر لها عليها، وكذلك يعني قبول التوافق معه على أولويات التدبير داخل دائرة الاهتمام المشترك.
ويعني كذلك القدرة على التنازل بمقدار عن جملة من التصورات والآراء التي تشكل قناعات التغيير المفضي إلى الإصلاح لصالح ما جاءت به التحالفات.

وهذا كله يندرج ضمن اعتبار المصلحة العامة أولا وأخيرا والسعي الحثيث نحو تحقيق ما يعود على الساكنة بالنفع والصلاح، ولو كان في ذلك التنازل عن أفكار وقناعات لا تمس في العمق جوهر المبادئ والقيم الأساسية المحركة للمساهمة في الإصلاح.

فالمرء يكون على الخيار في المشاركة مع الآخر في إبرام أي عقد أو صفقة تنعكس عليه بمفرده بالنفع أو الضرر، بينما لا يكون كذلك بتاتا عندما يتعلق الأمر بمصالح الناس وما يصب في صالحهم، إذ عليه بذل الجهد الأقصى لبلوغ التوافقات الضرورية والتفاهمات اللازمة، لتشكيل التحالفات الممكنة التي من شأنها أن تفضي إلى تحقيق مصالح الناس ولو في حدها الأدنى مع مراعاة المبادئ والقيم الأساسية التي تشكل ماهية المساهمة في الإصلاح ولو بمقدار دون السقوط في المقولة المعلومة الغاية تبرر الوسيلة مهما كان.

لأن عموم الناس على شرط ما قدمت لهم وما ستقدمه لهم، حيث جبلت النفوس على حب من أحسن إليها وعلى كره من أساء إليها مهما يكن نوع الإحسان ومهما تكن نوع الإساءة.
وفي هذا قوة للتعايش والتماسك الاجتماعي ونبذ للتفرقة التي تشتت وحدة الكلمة ذات الصلة بالقضايا الأساسية للساكنة والمجتمع.

وفي هذا الصدد، وجب لفت الانتباه إلى أن المساهمة في توفير عدد من الحاجيات الترابية ذات الأثر المالي العالي التي لا قبل للجماعة الترابية بها بشكل منفرد قد يتم قضاؤها في بعض أو أكثر الأحيان من خلال مكون أو أكثر من مكونات التحالف النافذة لدى جهة معينة لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بهذه الحاجيات نظرا لوجود ارتباطات مؤسساتية أو امتداد تنظيمي حزبي أو انتدابي تمثيلي أو شبكة علاقات متميزة لأحد مكونات هذا التحالف لدى هذه الجهة، مثل إحداث شبكة تطهير الصرف الصحي والمياه العادمة المكلفة ماليا لأي جماعة بالعالم القروي حيث يمكن إحداثها في إطار شراكة بين الجماعة ومؤسسات عمومية بتراب هذه الجماعة. وهذا يمثل عين المصلحة لساكنة هذه الجماعة الترابية.

وعليه، فإن نجاح عقد التحالفات بما يحقق الغرض المنشود المتمثل في تحقيق مستوى معين من التنمية الترابية يتطلب استحضار مجموعة من المحددات الأساسية التي تأخذ بعين الحسبان ما سبق ذكره وما سيأتي تفصيله.

إن الهدف الأساس من إنشاء التحالفات هو تحقيق عدد من الأغراض التي يظل من أبرزها ما يلي:
– انعكاس تنوع الساكنة المتعدد في تركيبة المجالس للجماعات الترابية بما يخدمها ويحافظ على لحمتها ويسهم في الرفع من مستوى انسجامها في القضايا الوطنية الكبرى؛
– إنجاز ما تحتاجه الساكنة ضمن اختصاصات الجماعة الترابية ووفق إمكانياتها ضمن نطاق توافقي متعدد المستويات؛
– ضمان المشاركة الفعالة والاستمرارية في المساهمة في بناء المؤسسات الخادمة للساكنة والمجتمع والدفاع عن مقومات الثوابت الوطنية والهوية الجامعة للوطن؛

إن تحقيق هذه الأهداف لابد أن ينطلق من محددات أساسية لإنجاز هذه التحالفات، ولعل أبرزها ما يلي:
1. تحديد المساحة المشتركة (برنامج العمل أو برنامج التنمية) بين أطراف التحالف؛
2. إلغاء المنطق الايديولوجي عند تشكيل تركيبة التحالفات؛
3. تجاوز البعد الديني عند صياغة أرضية التحالفات؛
4. استحضار القوة المعرفية والتجربة والخبرة عند عقد التحالفات؛

1. المساحة المشتركة (برنامج العمل أو برنامج التنمية) بين مكونات التحالف

إن تحديد المساحة المشتركة بين مختلف أطراف التحالف هو ما يصطلح عليه ببرنامج عمل أو برنامج التنمية الذي يظل أساس وسبب تجمع مجموعة من أعضاء المجالس للجماعات الترابية تحت مظلة هذا التحالف.

إن هذا البرنامج يجب أن يكون واضحا ودقيقا مهما كانت قيمة ميزانية الجماعة الترابية بحيث عليه أن يعكس حقيقة ما يمكن إنجازه عمليا على أرض الواقع وفق مقتضيات القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، وذلك على شكل أرقام دالة على طبيعة المشاريع التنموية المجمع إنجازها على رقعة الامتداد الجغرافي للمجال الترابي للجماعة الترابية المعنية وفق آجال محددة داخل الفترة الانتدابية استنادا إلى الموارد المالية والاقتصادية للجماعة الترابية وإمكانياتها المختلفة وقدراتها المتعددة.

وفي هذا الاتجاه، وجب التأكيد على أن عدم صياغة هذا البرنامج بالشكل المطلوب وقابل للتنزيل على أرض الواقع لمعالجة مختلف المشاكل المتصلة باختصاصات الجماعات الترابية وفي حدود الإمكانيات المتاحة لها أو عدم وجوده أصلا هو مقدمة لهدم هذه التحالفات لاحقا تحت مسميات عديدة مثل عدم الانسجام أو الالتزام…
وكذلك وصفة متكاملة لفقد مصداقية العمل الجماعي على عدة مستويات.

فالأصل في الانتداب هو التعاقد على تحقيق الإنجاز ذات الصلة بالاختصاص (اختصاصات الجماعة الترابية) وفق الإمكانيات (ميزانية الجماعة) داخل المجال (المجال الترابي للجماعة الترابية).

إن المراد بالتعاقد هو تقديم عرض إلى الفئة المراد التعاقد معها (الكتلة الناخبة) من قبل المعني أو المعنيين (المرشح أو المرشحين للعضوية) بتمثيلها في مجلس الجماعة الترابية.
هذا العرض يكون على شكل جدول يتضمن المشاريع التي سيتم إنجازها والاعتمادات المالية اللازمة لإنجاز هذه المشاريع وأماكن توطين هذه المشاريع في المجال الترابي للجماعة الترابية والمؤشرات الدالة على أولويته أو التي تبرر هذا التوطين مثل الكثافة السكانية والحاجة الماسة إليها والأثر الاقتصادي أو الاجتماعي أو البيئي…

إن هذه المشاريع يجب أن تكون ضمن اختصاصات الجماعة الترابية مثل تهيئة وإصلاح طريق طولها 1 كلم وفق مواصفات معينة.
كما أن هذه الاعتمادات المالية المقابلة لإنجاز هذه المشاريع يجب أن تكون الميزانية قادرة على توفيرها بشكل ذاتي بدون الاستناد على مؤسسة عمومية أو جماعة ترابية أخرى مثل تخصيص 100 مليون سنتيم لإنجاز طريق طولها 1 كلم.

أما توطين هذه المشاريع فيجب أن يكون في المجال الترابي الذي يحظى بالأولويات حيث الحاجة ماسة إليها مثل ضرورة تعبيد طريق في اتجاه مدشر توجد به مدرسة ابتدائية حيث يصعب أو يستحيل تنقل الأساتذة والتلاميذ إلى هذه المدرسة في فصل الشتاء نظرا لوضعية هذه الطريق المتدهورة.

إن هذا الجدول هو ما يصطلح عليه بملخص برنامج عمل الجماعة أو برنامج التنمية الذي يتطلب إعداده تشخيصا دقيقا لوضعية الجماعة على مختلف المستويات ذات الصلة باختصاصات الجماعة مثل البنية التحتية والمناطق الخضراء وملاعب القرب والنظافة والانارة العمومية…، ثم معرفة عميقة بالميزانية وسبل تنميتها والرفع من مداخيلها وآليات ترشيد نفقاتها ومصاريفها…، وكذلك إمكانيات عقد اتفاقيات الشراكة مع مؤسسات عمومية أو جماعات ترابية للمساهمة في بعض المشاريع التي يمكن أن تشكل تكاملا مع ما تقوم به الجماعة.
إن حسن تقييم هذا البرنامج من حيث إشباع الحاجيات الترابية للساكنة ذات الصلة باختصاصات الجماعة الترابية، وكذلك إمكانية تنزيله على أرض الواقع هو المحدد الأساس لاختيار هؤلاء المرشحين من طرف هذه الهيئة الناخبة.

2. تجاوز المنطق الايديولوجي عند تشكيل تركيبة التحالفات

إن الهدف الأساس من هذه التحالفات هو تحقيق إنجازات محددة على أرض الواقع متصلة باختصاصات الجماعات الترابية وفق إمكانيات هذه الأخيرة.
وهذا الأمر ذو بعد تقني في جانبه التنفيذي وبعيدا عن كافة التوجهات الفكرية ذات الطابع الأيديولوجي، وبالتالي لا دخل للمنطق الأيديولوجي بشكل محدد في تشكيل تركيبة هذه التحالفات على هذا المستوى.

وفي هذا السياق، وجب التمييز بين الشأن الحكومي الذي يمكن أن يحضر فيه المنطق الأيديولوجي بشكل ما مثل طبيعة الشأن الثقافي الذي يمكن أن يتبناه الفريق الحكومي في تدبيره، والتدبير الترابي على مستوى الجماعات الترابية الذي لا وزن معتبر للمنطق الأيديولوجي في تدبير شؤونه لأن طبيعة ما يتعين القيام به هو محدد سلفا وفق القوانين التنظيمية للجماعات، وهو بشكل عام ذو بعد خدماتي اجتماعيا اقتصاديا.
وعليه، يظل المنطق الايديولوجي عموما خارج دائرة تشكيل تركيبة التحالفات لتدبير الجماعات.

3. التحلي بالمرونة الكافية في اعتماد البعد الديني عند صياغة أرضية التحالفات

إن الالتزام القوي بالتعاليم الدينية الإسلامية على المستوى الفردي لا ينبغي أن يكون محددا أساسيا في صياغة التحالفات لتدبير الجماعات، بل يجب الأخذ بعين الاعتبار القيم الدينية الأساسية التي تنسجم مع متطلبات التدبير الترابية مثل الأمانة والصدق… متى كان ذلك قابلة للإثبات، لأن الالتزام الديني بشكل عام هو مسألة لها أثر فردي يعم صاحبه أولا ثم يمكن أن يتعدى هذا الأثر إلى الآخر أو المجتمع إن وجدت روابط بين ذلك ومقتضيات التحالفات المتعلقة بالتدبير، وهذا لا يكون إلا في حالات قليلة جدا مثل استبعاد من اشتهر بفسقه وعهره وخيانته للأمانة في تحمل المسؤولية في مواقع معينة ضمن هذه التحالفات، إلا أن الواقع يشهد أنه في الغالب الأعم أن كل من وُجد في دائرة التحالف لا يمكن أن يعرف عنه إلا النزر القليل من الالتزام الديني، وبالتالي فإن التركيز على الغوص بعمق في هذا الجانب لا يليق في سياق عقد التحالفات لأن ذلك شبيه بمحاكم تفتيش النيات والخوض فيها، كما أن ذلك لا يستقيم أن يكون لأي بشر، بل مرد ذلك كله إلى الله سبحانه وتعالى فهو من يتولى السرائر بينما نحن البشر نبني على الظواهر، متى بدى لنا ذلك حقيقة.

4. استحضار القوة المعرفية والتجربة والخبرة في عقد التحالفات

إن قوة التحالف من القدرة على الإنجاز، والقدرة على الإنجاز مرتبطة في جانب كبير منها بالقوة المعرفية والتجربة والخبرة، وبالتالي لابد من التركيز عليها عند إبرام التحالفات بحيث لا تسند المواقع التدبيرية في إطار هذه التحالفات إلا لمن ثبت أنه من أهل القوة المعرفية والتجربة والخبرة.

وفي هذا السياق، يتعين التمييز بين مستويين مهمين:
– المستوى الأول: القدرات الحزبية على الخطابة والحشد والاقناع والتأثير على تحريك الحزبيين والمتعاطفين والمناصرين نحو تحقيق الأهداف الحزبية التي تسبق التحالفات؛
– المستوى الثاني: القدرات التدبيرية على تحليل وحل المشاكل وفن التواصل من أجل تذليل الصعوبات والعقبات قصد التوافق من أجل الإسهام في بلورة وتنزيل مشاريع التنمية الترابية متعددة المستويات في حدود معينة التي تلي التحالفات.

وفي هذا الصدد، وجب التأكيد على أن التمييز بين هذين المستويين سيسهم في توجيه الفعل الحزبي نحو وجهته الصحيحة ويؤدي إلى عدم الخلط بين من يصلح للعمل الحزبي فقط ولا يصلح للعمل الانتدابي، وكذلك من يصلح للعمل الانتدابي ولا يصلح للعمل الحزبي، وهذا يكون له أثر واضح في إسناد المهام الانتدابية بما يحقق الغرض المنشود من هذه التحالفات.
هذا، وقد توجد حالات استثنائية قد تجد فيها من يصلح للمستويين، وهو ناذر لا يقاس عليه في الغالب الأعم.

إن المحددات السالفة الذكر – إن تم الالتزام بالحد الأدنى منها- سيكون لها أثر بليغ في رقي أداء مجالس الجماعات الترابية وإسهام فعال في بلوغ أهداف التنمية الترابية.
إلا أن هذه المحددات لابد أن ترتكز على قواعد واضحة ومنهجية دقيقة فيما يتعلق بتنزيل هذه التحالفات على أرض الواقع. ومن جملة ذلك أذكر على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
– إعداد برنامج عمل واضح ودقيق وقابل للتنزيل على أرض الواقع وفق التوصيف السابق ذكره من قبل هذا التحالف وفق مقاربة تشاركية واسعة أو من قبل أحد مكوناته عند الاقتضاء ؛
– صياغة أرضية أولية للتحالف ترتكز على التوافق قدر الإمكان على الانسجام والتناغم داخل بيت التحالف على مستوى اختيار المترشحين الذين يتوفر فيهم الحد الأدنى من الشروط المطلوبة في الانتخابات بشكل قبلي (قبل إجراء الانتخابات)؛
– اعتماد منطق المساندة المشروطة بين مكونات التحالف مثل إسناد مرشح أحد مكونات التحالف في دائرة معينة مقابل إسناد هذا المكون لمرشح آخر في دائرة أخرى لمكون آخر من التحالف في الدوائر الانتخابية الفردية حيث يمكن أن يتخذ هذا الإسناد عدة أشكال: إما عدم الترشيح أصلا، أو تقديم مرشح لإحداث امتياز لمرشح أحد مكونات التحالف، أو تقديم مرشح مشترك للتحالف باسم لون معين من مكونات التحالف، أو غير ذلك…
– إسناد منصب الرئيس للجماعة للمكون الذي يحتل المرتبة الأولى في التحالف؛
– الحرص على إسناد مناصب المسؤولية للتدبير الشأن الترابي من نواب الرئيس ورؤساء اللجان للكفاءات وذوي التجربة والخبرة من مكونات التحالف؛

هذا، ويجب التمييز بين تشكيل التحالفات وفق المنطق السابق ذكره، وبين التحالف وفق منطق يقوم على تحقيق مصالح الفرد أو مجموعة من الأفراد من أجل تحقيق الاثراء غير المشروع أو خدمة الطائفة الواحدة من خلال استغلال إمكانيات الجماعة الترابية تحت مسمى التحالف الذي يظل تحالفا وهميا مهما جمع من أسباب التحالف الحزبية.

إن التحالف الوهمي هو ذلك التحالف الذي يصنعه شخص واحد ليصبح رئيسا أو مجموعة من الأشخاص لاختيار شخص ما وتنصيبه رئيسا، وذلك من خلال تجميع مجموعة من المنتخبين بعد ظهور نتائج الاقتراع مباشرة لتكوين أغلبية يترأسها هذا الشخص – الرئيس – لتدبير الجماعة الترابية بحيث يكون البرنامج الحقيقي لهذا التحالف الوهمي هو تحصيل المصالح غير المشروعة لهذا الشخص – الرئيس- ومن يدور في فلكه ونهب المال العام وسرقة مقدرات الجماعة وتوظيف إمكانياتها لتأسيس شبكة مصالح وعلاقات تخدمه هو ومن يدور في فلكه.

وفي هذا السياق، وجب التأكيد على أن هذا التحالف الوهمي لابد أن يقوم بإنجازات محددة في مجالات معينة بتراب هذه الجماعة تكون غطاء لهذا النهب والسرقة وتسخير إمكانيات الجماعة في اتجاه المصلحة الخاصة لهذا الرئيس ومن يدور في فلكه، وبالتالي أي كلام عن إنجازات في صالح الجماعة أو المصلحة العامة ليس إلا من قبيل ذر الرماد في العيون من أجل تبرير هذا المهب والسرقة والتسخير.

إن صناعة هذا التحالف الوهمي تبدأ أولا من اختيار هذا الشخص – الرئيس- لمرشحين ضعفاء في الغالب الأعم لا مؤهلات لهم ولا تجربة لهم ولا خبرة لهم أو مستواهم المعرفي أو التعليمي بسيط جدا حيث ينحدون من أوساط اجتماعية بئيسة الذي يسود فيه في الغالب الأعم الفقر والتهميش والحرمان و يتميزون بضعف شديد في النضج والوعي بالدور الحقيقي للمنتخب في تدبير الشأن الجماعي، أو من هم من ذوي ووضعيات اجتماعية هشة كل ما يدور في تفكيرهم هو تحصيل لقمة العيش لهم أو لذويهم بعيدين كل البعد عن الاهتمام بما يتعلق بالمصلحة العامة، أو من هم منغمسون في الفساد الأخلاقي والرذيلة بمختلف أشكالها.

بعد ذلك يتم استغلال شبكة من الأعيان من ذوي الطموح في تحقيق مصالح غير مشروعة من وراء الانضمام إلى هذا التحالف الوهمي، إضافة إلى بعض المسؤولين غير الملتزمين في بعض الأحيان والمؤثرين في العملية الانتخابية بحكم مواقعهم الإدارية مع توظيف ضخم للمال بوسائل شتى لكي يتمكنوا هؤلاء المرشحين من الفوز في الانتخابات.

إن الهدف الأساس من وراء كل ذلك هو السيطرة على هؤلاء المرشحين بعد نجاحهم في هذه الانتخابات ثم قيادتهم كالقطيع للتصويت على صنع هذه الأغلبية ثم انتخابه رئيسا لهذه الجماعة الترابية ثم توجيهها بالشكل الذي يريده في تسييرها وتدبيرها لممارسة هذا النهب والسرقة والتسخير.

إن هذا التحالف الوهمي يؤدي إلى كوارث على عدة مستويات سواء على صعيد انتشار الفساد التدبيري أو خنق الحريات السياسية في الاختيار الحر والنزيه والشفاف وقتل المبادرات الإصلاحية مهما كان أصحابها.

وفي هذا السياق، أذكر حكاية رئيس جماعة ترابية – لعدة ولايات انتدابية في بلد ما – مع تحالف تشكل بعد الانتخابات من ثلاث أحزاب استطاعت جمع أغلبية الأعضاء المنتخبين لتشكيل المكتب المسير (الرئيس ونوابه وكاتب المجلس ونائبه) لهذه الجماعة الترابية.

تبدأ الحكاية عندما أصر رئيس الجماعة الترابية المنتهية ولايته والمرشح الناجح في هذه الانتخابات على فض الأغلبية بجميع الوسائل غير المشروعة حيث عمد بداية على استقطاب نواب الرئيس المتفق عليه من طرف الأغلبية إلى جانبه وعزلهم عن هذه الأغلبية من خلال أساليب قدرة ومنحهم أمورا ووعودا غير مشروعة لأجل ذلك.

بعد ذلك قام هذا الرئيس المنتهية ولايته بمحاولات حثيثة وجادة لشراء أكثر من نصف الأعضاء حيث قدم من أجل ذلك عرض مالي يتراوح ما بين 10 إلى 50 مليون سنتيم للعضو الواحد، إلا أن جميع محاولاته باءت بالفشل.
لينتقل بعد ذلك إلى توظيف بعض المسؤولين الرسميين حيث استغل شبكة علاقاته وموقعه الاداري في استقدام مجموعة تتعدى 20 فردا مكونة من أصحاب البدل “الزرقاء” وأصحاب البدل “الصفراء” وأعوانهم الذي جاءوا في الواحدة والنصف ليلا لمحاصرة منزل كان يجتمع فيه فريق الأغلبية لمناقشة سبل تنزيل برنامج عمل الجماعة وتدقيق المناصب التي سيحتلها أعضاء هذا الفريق في مختلف المواقع التدبيرية، وذلك بدعوى خطف أعضاء منتخبين وإرغامهم على الانضمام إلى هذا التحالف بالقوة.

إلا أن هذا الجمع من المسؤولين فشل في مهمته بعد تدخل مرشح الرئاسة لدى أحد مسؤولي حزبه وطلب المساعدة في حل هذا المشكل حيث قام هذا الأخير بربط الاتصال بمسؤول كبير من أقاربه وعرض المشكل عليه ليؤكد له هذا المسؤول أن المسؤولين الذين تحت إمرته والموجودين في عين المكان من أصحاب البدل “الزرقاء” تحركوا بتعليمات غير رسمية وبشكل مخالف للقانون وأنه سيقوم بالمتعين فورا لمعالجة هذا الوضع الشاذ، وهو ما تم بالفعل حيث اعتذر كبير هؤلاء المسؤولين من أصحاب البدل “الزرقاء” المشاركين في محاصرة هذا المنزل لمرشح الرئاسة وتفرق الجمع بسلام.

إلا أن هذا الرئيس لم يستسلم ولجأ لوسيلة دنيئة حيث أقدم على محاولة خطف أحد أعضاء الأغلبية بالقوة، وذلك بتسخير عصابة مكونة من شخصين لأجل ذلك حيث حاولوا في بداية الأمر خطف مرشح الرئاسة بعد تصويره وإرسال صورته للمشرف على هذه العملية، إلا أنه تم تحذيرهم بعدم الاقدام على خطف صاحب هذه الصورة لأنه هو المرشح لرئاسة هذه الجماعة الترابية لتنتهي عملية الخطف بالفشل.

رغم هذه السلسلة من الاخفاقات فإن هذا الرئيس استمر في اتجاه فض هذه الأغلبية حيث استنجد في هذه المرة بوزير خارجية سابق للتدخل وفض هذه الأغلبية، وهو ما قام به فعلا هذا الوزير السابق من خلال سلسلة من التدخلات لدى أعيان ومسؤولين نافدين بوسائل متعددة لأجل هذا الغرض لكن مسعى هذا الوزير خاب وانتهى أيضا إلى الفشل.

لم ييأس هذا الرئيس المنتهية ولايته وأصر على فض هذه الأغلبية بأي ثمن فانسحب من سباق الرئاسة واقترح أحد أعضاء الأغلبية كمرشح للرئاسة بدلا عنه في محاولة أخيرة لخلق الشرخ والفرقة بين مكونات هذه الأغلبية زاعما أن هناك توجها رسميا داخل الدولة يرفض حزب هذا المرشح وبالتالي على الجميع المساعدة في ذلك. إلا أن جميع أعضاء حزب العضو المقترح من قبل هذا الرئيس المنتهية ولايته رفضوا هذه الفكرة وتشبتوا بمرشحهم الذي لا ينتمي إلى حزبهم، مما دفعه إلى طلب الاستغاثة مرة أخرى بموظفين سامين من مؤسسة رسمية للعدل من أجل القيام بدور ما من أجل إسقاط هذه الأغلبية، إلا أن هذا التوجه لقي هزيمة نكراء أيضا، لتشكل هذه الأغلبية المستهدفة في نهاية المطاف المكتب المسير لهذه الجماعة الترابية.

إن سلوك هذا الرئيس المنتهية ولايته، يندرج ضمن السعي الحثيث نحو عقد نموذج لتحالف وهمي يكون سببا مباشرا في إحداث فساد يسهم في تأخير أو قتل كل ما له علاقة بالحد الأدنى من تحقيق التنمية الترابية المنشودة.

مصطفى الحشلوفي
أستاذ جامعي باحث بجامعة الحسن الثاني

شارك المقال

مقالات ذات صلة

تحليلات و آراء

جديد جواز السفر المغربي… إقرار تغييرات بعد المصادقة على مشروع مرسوم 

جديد جواز السفر المغربي… إقرار تغييرات بعد المصادقة على مشروع مرسوم   يشهد جواز السفر المغربي تغييرات جديدة ابتداء من شهر غشت المقبل، بعدما أقر مجلس الحكومة مشروع المرسوم رقم...

1 دقيقة للقراءة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

9 − واحد =