القائمة

مقال رأي.. أهمية التمييز بين ممارسة “السياسة” وممارسة “التسييس” في تدبير الشأن الترابي

بقلم
الدكتور مصطفى الحشلوفي
نُشر: 4 يونيو 2026 الساعة 12:38 صباحًا
مقال رأي.. أهمية التمييز بين ممارسة "السياسة" وممارسة "التسييس" في تدبير الشأن الترابي
مقال رأي.. أهمية التمييز بين ممارسة "السياسة" وممارسة "التسييس" في تدبير الشأن الترابي

لقد شد انتباهي في كثير من الحوارات واللقاءات، مع عدد من المسؤولين والفاعلين الترابيين عقب اجتماعات رسمية، أو على هامش مناسبات وطنية أو دينية أو في لقاءات خاصة عند الحديث عن تدبير الشأن الترابي وجود خلط غريب وعجيب بين ممارسة السياسة وممارسة التسييس.

وبصرف النظر عن حقيقة هذا الخلط، أهو مقصود لذاته أم لا، أم هو نتيجة مستوى الوعي والإدراك أو غير ذلك ، فإن اللافت في الموضوع هو وجود جذور ثقافية عميقة تؤسس لهذا الخلط لأسباب ذاتية.

إن هؤلاء المسؤولين والفاعلين الترابيين يطلقون “ممارسة السياسة أو السياسة الترابية” ليقصدوا بذلك القيام بأفعال وتصرفات مخالفة للقانون في تدبير الشأن الترابي بشكل مبطن أو ضمني، وذلك إما تأويلا منهم لهذه الأفعال والتصرفات في علاقتها بالاختصاصات القانونية ذات الصلة بتدبير الشأن الترابي أو رجما بالغيب لما قد تؤول إليه هذه الأفعال والتصرفات، وتأثير ذلك على منطق التوازنات السياسية الترابية غير المعلن في هذا الصدد، وبالتالي يستلزم الأمر عندهم التبرير لعدم التعاون أو مواجهة هذه الأفعال والتصرفات بشكل غير قانوني حماية للقانون وصونا له حسب زعمهم!!

وفي هذا السياق، كلما أرادوا انتقاد سلوك أو توجه تدبيري للشأن الترابي في إطار من ممارسة السياسة الترابية، زعموا مخالفته للقانون عندهم دون أدنى تدقيق أو تمحيص في علاقة ذلك بالاختصاصات القانونية المؤطرة لهذه الأفعال والتصرفات حيث ينعتون ذلك ب: “ممارسة السياسة”، دون أي وعي أو إدراك بأن ذلك ينهي وجود مصطلح السياسة من القاموس، ويسقط أهداف وغايات العمل السياسي وأهميته البالغة في حياة الناس التي لا يستقيم جزء كبير منها بدون فعل سياسي ناضج ومسؤول.

ولتأكيد صواب ما ذهبوا إليه يسوقون أمثلة كثيرة ويستدلون بنماذج عديدة من الواقع توضح توظيف الفعل السياسي لتحقيق مآرب ومصالح خاصة مضرة بالمصلحة العامة، وقد يكون ذلك صحيحا بالفعل إلا أنه قطعا من تبعات ” ممارسة التسييس” وليس من تبعات ” ممارسة السياسة”.
فما ممارسة “السياسة”؟ وما ممارسة ” التسييس”؟

إن مصطلح السياسة له تعريفات كثيرة لعل أبسطها هو تدبير الشأن العام، أي أن السياسة هي تدبير الشأن العام.
والشأن العام هو كل ما يتصل بالشأن الاقتصادي و الاجتماعي والثقافي والبيئي والأمني…

فعلى سبيل المثال تعد التدابير والإجراءات التالية:
– إحداث وتهيئة وتجهيز منطقة الأنشطة الاقتصادية يندرج ضمن الشأن الاقتصادي.
– وإحداث وتسيير شركة النقل المدرسي في العالم القروي يندرج ضمن الشأن الاجتماعي.
– وإحداث وتهيئة وتجهيز مؤسسة لاحتضان وتنظيم الأنشطة المسرحية والندوات الفكرية يندرج ضمن الشأن الثقافي.
– وإحداث وتهيئة قنوات الصرف الصحي يندرج ضمن الشأن البيئي.
– وإعداد الخطط الأمنية وتنظيم الدوريات من أجل محاربة بيع واستهلاك المخدرات والسرقة الموصوفة والاعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة يندرج ضمن الشأن الأمني.
وهلم جرا…

وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت
وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت

وبالتالي يكون كل ما سبق ذكره آنفا هو جزء من السياسة بدون شك. وعليه، فإن دراسة آليات وتنزيل التدابير والإجراءات سالفة الذكر هو عمل سياسي بامتياز الهدف الأساس منه هو تحقيق المصلحة العامة المتمثلة في تلبية حاجيات أفراد المجتمع المتعددة والمتجددة والمتزايدة عبر الزمن.

والاشتغال بالسياسة بهذا المعنى أو في هذا الإطار هو اشتغال من أجل المساهمة في تحقيق المصلحة العامة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والأمني…
ومواقع الاشتغال في السياسة هي متعددة وحجم المساهمة والتأثير فيها هو مختلف من موقع لآخر ، فقد يكون هذا الموقع عضوية حزب سياسي جاد ومعقول، أو عضوية مجلس جماعة ترابية، أو عضوية مجلس النواب (البرلمان)، أو عضوية مجلس الحكومة، أو موظف سام أو غير سام في مؤسسة العامل أو مؤسسة عمومية…

والوصول إلى هذه الأهداف لن يتم إلا من خلال التدافع بوسائل مشروعة من خلال هذه المواقع.
إن جميع هؤلاء المسؤولين في هذه المواقع هم يمارسون السياسة أو السياسة الترابية، وفق التوصيف السابق ذكره، وغير هذا هو جهل بماهية وحقيقة السياسة أو السياسة الترابية.
فكيف نقوم بتهيئة وإصلاح مسلك أو طريق إن لم نشتغل بالسياسة من موقع ما؟ وكيف نقوم بإصلاح وتجهيز الإنارة العمومية إن لم نشتغل بالسياسة من موقع ما؟ وكيف نقوم بإحداث ومعالجة قنوات الصرف الصحي إن لم نشتغل بالسياسة من موقع ما؟ وكيف نقوم بجمع النفايات ونظافة الشوارع والأزقة إن لم نشتغل بالسياسة من موقع ما؟ وكيف نحقق حفظ الأمن والاستقرار لمواجهة بيع واستهلاك المخدرات والسرقة الموصوفة والاعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة إن لم نشتغل بالسياسة من موقع ما ؟ وكيف…؟وكيف…؟

أما مصطلح التسييس فله أيضا عدة تعريفات من أهمها هو إضفاء طابع سياسي على نشاط غير سياسي تحقيقا لمصالح خاصة. فقيام البعض بتسوية وضعيتهم الاجتماعية والاستغناء ومراكمة الأموال والممتلكات… تمثل مصالح خاصة لأنشطة غير سياسية، إذ لا يمكن تحقيقها من خلال الممارسة السياسية أو إضفاء طابع سياسي عليها.

وفي هذا السياق، فإن من أبرز تجليات ممارسة “التسييس” في واقع التدبير الترابي هو الاشتغال بالسياسة لخدمة المصلحة الخاصة بشكل غير مشروع، سواء أكانت تلك المصلحة شخصية أو فئوية أو مؤسساتية. بمعنى أن المحرك أو الداعي للاشتغال بالسياسة هو الوصول إلى موقع معين أو الوجود فيه أو الاستمرار فيه أو السعي له من أجل توظيفه لتحصيل مجموعة من المنافع الشخصية أو الفئوية أو المؤسساتية بشكل غير مشروع، سواء أكان ذلك في بعده المادي أو المعنوي.

فعلى سبيل المثال يعد:
– غض الطرف أو عدم التدقيق بالشكل المطلوب أو التجاهل المقصود لمتطلبات إنجاز صفقة تخص إحداث منطقة اقتصادية أو شراء أو إصلاح حافلات النقل المدرسي أو إحداث وتهيئة وإصلاح مسالك أو طرق أو بناء وتجهيز مركب أو توريد مقتنيات… من موقع المسؤولية مقابل الحصول على أموال أو امتيازات معينة أو قضاء مصالح خاصة… هو شكل من أشكال التسييس.
– عدم تطبيق المساطر القانونية المعمول بها أو تجاهلها أو عدم التقيد بمقتضياتها في مجال معين مثل مجال التعمير أو مجال الجبايات أو المجال التجاري… من موقع المسؤولية مقابل الحصول على أموال أو امتيازات معينة أو قضاء مصالح خاصة… هو شكل من أشكال التسييس.
– رفض تسليم وثائق إدارية أو التماطل في تسليمها يشكل غير قانوني إلا مقابل الحصول على أموال أو امتيازات معينة أو قضاء مصالح خاصة… من موقع المسؤولية هو شكل من أشكال التسييس.
– إبعاد النخب والكفاءات والأطر وكل ذوي الاستحقاق خارج المقتضيات القانونية من الوصول إلى مواقع المسؤولية ذات الصلة بالسياسة أو السياسة الترابية وفق التوصيف السابق ذكره أو عرقلة مهامها في هذه المواقع بشكل ممنهج ومدروس… من موقع المسؤولية هو شكل من أشكال التسييس.
– الحديث المفرط عن السياسة بمنطق التسييس بدون حجة أو دليل ، أو إلباس العمل السياسي لباس ممارس التسييس، أو استغلال أداء المهام السياسية لنشر ثقافة التسييس… من موقع المسؤولية هو شكل من أشكال التسييس.
وهلم جرا…

ولمزيد من التوضيح لممارسة “التسييس”، أذكر مسؤولا ترابيا تم انتخابه عضوا بمجلس جماعة ترابية معينة “أ” وهو عاطل عن العمل وبعد أن أصبح رئيسا لهذه الجماعة بعد بضع سنين قام بتوظيف موظف في السلم 10 بهذه الجماعة الترابية “أ”.
هذا الموظف قبل توظيفه كان يتحمل مسؤولية نائب رئيس جماعة ترابية مجاورة “ب”.

إن هذا التوظيف الذي قام به هذا الرئيس جاء مقابل توظيفه هو في الجماعة الترابية المجاورة “ب” في السلم 5، أي تبادل في التوظيف بين الجماعتين “أ” و “ب”.
إن هذا الموظف الذي تم توظيفه في السلم 10 لم يلتحق بالجماعة الترابية “أ” إلا بعد مرور عدة سنوات وبعد أن تم انتخاب رئيس جديد للجماعة الترابية “أ”.

إن السلوك التدبيري لهذا الرئيس هو عين التسييس، ذلك أن هذا المسؤول الترابي قام بتوظيف موظف في السلم 10 الذي لم تكن الجماعة بحاجة له أصلا بدليل عدم التحاقه بعمله في الجماعة الترابية لعدة سنوات، لكنه فعل ذلك فقط من أجل تحقيق مصلحته الخاصة التي تتمثل في حصوله على منصب السلم 5 في الجماعة الترابية المجاورة “ب” على حساب الجماعة التي يرأسها، وبذلك يكون قد حرم هذه الجماعة الترابية التي يرأسها من اعتمادات مالية مهمة على مدار عدة سنوات – تم تخصيصها لأداء الأجر الشهري لهذا الموظف – عوض توجيهها لتوفير الحاجيات الترابية لهذه الجماعة مثل الإنارة العمومية والنظافة ومعالجة النقط السواء للصرف الصحي…

خلاصة القول إن “السياسة” أو “السياسة الترابية” هي القيام بجميع التدابير المشروعة الهادفة إلى حل مختلف المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والأمنية… من خلال مختلف مواقع المسؤولية التي يتحملها المسؤول.
و”التسييس” هو استغلال مواقع المسؤولية لتحقيق المصالح الخاصة من قبل المسؤول سواء أكانت شخصية أو فئوية أو مؤسساتية بشكل غير مشروع.

أي ببساطة شديدة إن معيار التمييز بين السياسة والتسييس هو رصد موقع المصلحة العامة والمصلحة الخاصة في الممارسة.
فحيث ما وجد تحقيق المصلحة العامة المنسجمة مع القوانين الجاري بها العمل فتلك هي نتيجة لممارسة “السياسة”، وحيث ما وجد تحقيق المصلحة الخاصة المجردة عن كافة الاعتبارات القانونية فتلك هي نتيجة لممارسة “التسييس”.

هذا، ويعمل بعض المسؤولين مثل بعض رؤساء المصالح الخارجية لاسيما نواتها الصلبة في بعض الأحيان على إيجاد منطقة غير واضحة “رمادية” بشكل وهمي تختلط فيها ممارسة “السياسية” بممارسة “التسييس”. وفي هذا الصدد، فإن هؤلاء يعتبرون قيام بعض المسؤولين الترابيين بالاختصاصات الموكولة لهم بقوة القانون في إطار من التفاعل مع مطالب المواطنين أو الوفاء بالوعود الانتخابية شكلا من ممارسة “التسييس” ويطلق عليها ممارسة ” السياسة” كمرادف “للتسييس”، فهؤلاء يقعون في خلط فاحش، ويسقطون في تأويل لا علاقة له بواقع الممارسة القانونية لتدبير الشأن الترابي إما جهلا بالقانون، وإما استغلالا لضعف الرقابة الإدارية والحكامة المؤسساتية وإما إسرافا في الاشتغال بمنطق التوازن المعلوم في الحقل السياسي وفق تعليمات شفوية الذي يقتضي القيام بسلوكات وتصرفات شاذة عن القواعد القانونية ذات الصلة، فيعدلون بذلك عن القيام بواجبهم وفق القانون حيث يجدون لذلك مخارج عدة تحقق هذه الغاية مثل استدعاء مصطلح قريب من مصطلح ” التسييس” يدعى “التوظيف السياسي” من أجل تبرير هذه السلوكات والتصرفات التي تتعارض وروح المقتضيات القانونية ذات الصلة بالتعاون وإنفاذ القانون، وذلك قصد عرقلة بعض التوجهات الإصلاحية تحت مسميات فضفاضة من قبيل الحفاظ على السلم الاجتماعي أو الاستقرار الاجتماعي…

وفي الأخير، يطرح سؤال وجيه حول أهمية التمييز بين ممارسة ” السياسة” وممارسة ” التسييس”.
وفي هذا الصدد، يمكن القول أن التمييز بين ممارسة ” السياسة” وممارسة ” التسييس” يكتسي أهمية خاصة، ذلك أن ممارسة السياسة من موقع المسؤولية يفرض القيام بعدد من الاختصاصات التي أقرها المشرع من أجل توفير مجموعة من الحاجيات الترابية وحل عدد من المشاكل المتصلة بها.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن ممارسة بعض الاختصاصات يفرض في بعض الأحيان التنسيق مع عدد من المصالح الخارجية خصوصا نواتها الصلبة، إلا أن هذه الأخيرة إذا اعتبرت أن ممارسة هذه الاختصاصات شكلا من أشكال “التسييس” فسيفضي ذلك إلى نسف ممارسة هذه الاختصاصات من داخل النسق المؤسساتي ويهدد وجودها بل ينهي روح التدبير الترابي وفق المقاربة التشاركية من أساسه ويسقط مضمونه على وجه الحقيقة.

كما قد يتعدى الأمر إلى المس بالمبدأ الدستوري المتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي يقوم روحه على تمكين المسؤول من كافة الاختصاصات التي أجازها المشرع له أولا ثم بعد ذلك محاسبته على تنفيذ هذه الاختصاصات. إذ لا يعقل عرقلة ممارسة اختصاصاته تحت مسمى ” التسييس” أو تجريده منها بشكل ذكي تحت نفس المسمى ثم الدعوة إلى محاسبته أو المشاركة في محاسبته بأشكال مختلفة نظرا لعدم ممارسة هذه الاختصاصات بالكيفية التي تفضي إلى تحقيق أهداف التنمية الترابية المتصلة بهذه الاختصاصات أو التي هي امتداد لها.

كما أن ممارسة “التسييس” بالشكل الذي يوهم البعض أن ذلك يندرج ضمن ممارسة ” السياسة” هي مسألة في غاية الخطورة حيث سيؤدي ذلك إلى شرعنة الفساد وإبعاده عن المحاسبة والتطبيع معه ليتخذ بعدا مؤسساتيا يجنبه المراقبة وتطبيق مقتضيات الحكامة، وهو ما سيكون له انعكاسات سلبية كثيرة على مسلسل التنمية الترابية في أبسط تجلياتها مثل توفير الإنارة العمومية وإصلاح المسالك والطرق وجمع النفايات والنظافة…

مصطفى الحشلوفي
أستاذ جامعي و باحث

شارك المقال

مقالات ذات صلة

مقال رأي.. تدبير ديمقراطي للمالية العمومية من أجل تنمية دامجة
أخبار وتحليلات

مقال رأي.. تدبير ديمقراطي للمالية العمومية من أجل تنمية دامجة

بقلم عبد السلام الصديقي، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير سابق «تدبير ديمقراطي للمالية العمومية من أجل تنمية دامجة بالمغرب»، هو عنوان مداخلتنا في ندوة نُظمت مؤخرا بجامعة ابن...

1 دقيقة للقراءة
بنكيران يحذر من “انهيار مفاجئ” ويتهم “قوى الظل” بإعادة إنتاج نفسها عبر البام
أخبار وتحليلات

بنكيران يحذر من “انهيار مفاجئ” ويتهم “قوى الظل” بإعادة إنتاج نفسها عبر البام

قدم الإعلامي عصام واعيس على صفحته بموقع فايسبوك تحليلا معمقا لخطاب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران، في المهرجان الخطابي الذي نظمته شبيبة الحزب لإطلاق الحملة الوطنية لتعزيز...

0 دقائق للقراءة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × ثلاثة =