طنجة.. إدانة مواطن بشهرين حبسا نافذا بتهمة بناء منزل للسكن !! لماذا و ما التفاصيل؟؟

افتتاحية إيكوبريس | رأي وتحليل |
يوم الجمعة الماضي، أصدرت المحكمة الابتدائية بمدينة طنجة حكماً يقضي بحبس مواطن، رب أسرة، لمدة شهرين، على خلفية مخالفات لقانون التعمير والبناء.
كما قضت بعقوبة حبسية موقوفة التنفيذ في حق عون سلطة برتبة شيخ قروي، في القضية المرتبطة بالبناء غير المرخص.
لكن ما الذي جعل هذا الملف يصل إلى المحكمة؟
القضية بدأت بحادث مأساوي، بعدما فقد عامل بناء حياته داخل ورش لتشييد منزل. وعقب الحادث، باشرت الجهات المختصة أبحاثاً كشفت أن أشغال البناء كانت تجري دون رخصة.
هنا، نحن أمام مأساة إنسانية أولاً، لأن عاملاً فقد حياته، وأمام قضية قانونية ثانياً، لأن البناء تم دون ترخيص.
لكن وراء هذا الملف، تبرز قضية ثالثة لا تقل أهمية، وهي أزمة التعمير وتعثر الحصول على رخص البناء في طنجة وضواحيها.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة:
هل المواطن الذي يبني دون رخصة هو المسؤول الوحيد عن هذه الوضعية؟
أم أن هناك مسؤولية أخرى تتحملها الإدارات التي تضع أمام المواطنين عراقيل للحصول على تراخيص البناء؟
بمعنى آخر، كيف يمكن أن نعاقب المواطن على عدم احترام مسطرة إدارية، بينما قد يجد نفسه عاجزاً عن استكمال هذه المسطرة بسبب التأخير أو الغموض أو غياب جواب واضح من الإدارة؟
أزمة الحصول على الرخص المواطن هو السبب أم الإدارة !!
اليوم، في طنجة وجماعاتومجاورة مث إكزناية وحجر النحل العوامة سبت الزينات حد الغربية أقواس بريس، يتكرر الحديث عن صعوبات تواجه المواطنين الراغبين في بناء مساكن فوق بقع أرضية يمتلكونها.
مواطن اشترى بقعة أرضية من ماله الخاص، وربما قضى سنوات يجمع ثمنها، ويحلم ببناء منزل يؤوي فيه زوجته وأبناءه.، وبعدما يشتري القطعة تكون أصلا في منطقة مفتوحة التعمير أو قريبة منها، بمعنى أننا أمام تدور طبيعي النمو العمراني والتوليد السكاني، والدولة المغربية في عنفوان النضج الإداري يفترض أن تسبق احتياجات المواطنين لا أن تتأخر عن ركب احتياجاتهم.
لكن عندما يتوجه إلى الإدارة للحصول على رخصة البناء، قد يفاجأ بوجود عراقيل مرتبطة بوثائق التعمير، أو بتصاميم التهيئة، أو بملاحظات تقنية وإدارية لا يعرف متى ستتم تسويتها.
وفي حالات أخرى، يشتكي مواطنون من غياب أجوبة واضحة عن طلباتهم، أو من طول الانتظار دون معرفة المآل النهائي للملف.
وهنا يصبح المواطن في وضعية معقدة.
لديه أرض، ولديه حاجة فعلية إلى السكن، وربما يؤدي شهرياً واجبات الكراء، لكنه لا يستطيع استغلال ملكه في البناء وفق الإجراءات القانونية.
ونحن هنا لا نقول إن ملكية الأرض تمنح صاحبها حق البناء كيفما شاء. فالتعمير تحكمه ضوابط تتعلق بالسلامة والتجهيزات والمصلحة العامة.
لكن في المقابل، من حق المواطن أن يعرف هل يمكنه البناء أم لا، ولماذا، وداخل أي أجل سيحصل على الجواب
وهنا نصل إلى دور الوكالة الحضرية لطنجة.
هذه المؤسسة معنية بالتخطيط العمراني ودراسة وثائق التعمير وإبداء الآراء التقنية في الملفات التي تدخل ضمن اختصاصاتها، بتنسيق مع الجماعات والسلطات وباقي المتدخلين.
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم هو:
لماذا تستغرق بعض تصاميم التهيئة سنوات قبل إخراجها إلى حيز التنفيذ؟ هل بسبب منعشين عقاريين أم بسبب سياسيين نافذين ؟؟ هذا ليس ميرال لعقاب جماعي لآلاف المواطنين!!
ولماذا تظل بعض المناطق في انتظار وثائق تعميرية تحدد بوضوح أين يسمح بالبناء، وأين يمنع، وما الشروط الواجب احترامها؟
وللتذكير، فإن الوثائق الرسمية للوكالة الحضرية لطنجة، إلى حدود شهر ماي من سنة 2025، كانت تُظهر أن تصاميم تهيئة كزناية وحجر النحل لا تزال في مراحل الدراسة، بينما كان تصميم تهيئة مقاطعة طنجة المدينة يستعد لمرحلة البحث العلني ومداولات المجلس.
إذن، نحن لا نتحدث فقط عن شكاوى مواطنين، بل عن وثائق رسمية تكشف طول المسار الذي تمر منه بعض مشاريع تصاميم التهيئة.
والسؤال المطروح اليوم، في أكتوبر 2026، هو:
أين وصلت هذه التصاميم؟
وما هي الآجال الفعلية لإخراجها؟
وكم عدد ملفات رخص البناء التي تعثرت بسبب وضعية هذه الوثائق؟
وهل تتوفر الإدارة على إحصائيات دقيقة بشأن طلبات المواطنين التي بقيت دون حسم؟
من غير المقبول أن نطالب المواطن باحترام القانون، دون أن نطالب الإدارة، في المقابل، باحترام الآجال القانونية وتوضيح قراراتها.
فالقانون لا ينبغي أن يتحول إلى واجبات على المواطن وحده، بل إلى التزامات متبادلة بين المواطن والإدارة.
بين احترام القانون والحق في السكن خيط رفيع !!
دعونا نكون واضحين.
لا أحد يدافع عن البناء العشوائي، ولا عن تشييد منازل دون احترام ضوابط السلامة، خصوصاً عندما تكون حياة عمال البناء والسكان معرضة للخطر.
وفاة عامل البناء في القضية التي انطلقنا منها تذكرنا بأن السلامة داخل الأوراش مسؤولية أساسية لا يجوز التساهل فيها.
لكن محاربة البناء العشوائي لا ينبغي أن تقتصر على المحاضر والمتابعات القضائية وأحكام الحبس.
بل ينبغي أن تبدأ بتوفير شروط البناء القانوني، وتبسيط الإجراءات، وتسريع البت في الملفات، ومعالجة أسباب التعثر الإداري.
فليس من المنطقي أن ننتظر وقوع المخالفة، أو حدوث كارثة، حتى تتحرك آليات المراقبة والمساءلة.
والسؤال هنا ليس: هل نطبق القانون أم لا؟
بالطبع، يجب تطبيق القانون.
ولكن السؤال الحقيقي هو: هل نطبق القانون بالصرامة نفسها عندما يتعلق الأمر بمخالفات المواطن، وعندما يتعلق الأمر بالتزامات الإدارة؟
ما الذي يستطيع المواطن فعله؟ لكن هذا الطريق مُرهق نفسيا وماديا بالنسبة للمواطنين المُتخبطين مع أعباء الحياة
من المهم أيضاً أن يعرف المواطن أن القانون يتيح له وسائل لمواجهة القرارات الإدارية غير المشروعة.
فإذا تقدم بطلب للحصول على رخصة بناء، ينبغي له الاحتفاظ بما يثبت إيداع الطلب وتاريخه، وتتبع مآله لدى الجهات المختصة.
وإذا قوبل طلبه بالرفض، فمن حقه المطالبة بقرار مكتوب ومعلل وفق المقتضيات القانونية المنظمة لتعليل القرارات الإدارية.
كما يمكنه طلب مذكرة المعلومات التعميرية من الوكالة الحضرية، لمعرفة الوضعية القانونية والتعميرية لبقعته الأرضية وشروط استغلالها.
وفي حالة استمرار النزاع أو وجود قرار غير مشروع، يمكنه سلوك مساطر التظلم والطعن أمام الجهات المختصة، بما فيها القضاء الإداري، وفق الشروط والآجال القانونية.
لكن لماذا ينبغي للمواطن أن يقطع كل هذا المسار المعقد فقط لكي يحصل على جواب واضح من الإدارة؟
أليس من المفترض أن تكون الإدارة في خدمة المواطن، وأن تساعده على احترام القانون بدلاً من تركه في مواجهة الغموض؟
نعود إلى الحكم القضائي الصادر في طنجة.
مواطن حُكم عليه بالحبس لمدة شهرين بسبب مخالفات في مجال التعمير.
وعون سلطة صدرت في حقه عقوبة موقوفة التنفيذ.
وعامل بناء فقد حياته في ورش بناء.
ثلاثة أوجه لقضية واحدة، لكنها تفتح نقاشاً أكبر بكثير من حدود هذا الملف
فإذا كانت الدولة عازمة على محاربة البناء العشوائي، وهذا أمر ضروري، فإن عليها أيضاً أن تحارب أسباب انتشاره، وفي مقدمتها التعقيدات الإدارية، وتعثر وثائق التعمير، وطول انتظار المواطنين للحصول على الرخص.
لذلك نتوجه إلى مسؤولي الوكالة الحضرية لطنجة، وإلى الجماعات الترابية وقسم التعمير في الولاية، بسؤال مباشر:
ما الذي يمنع وضع آجال واضحة ومعلنة لمعالجة الملفات وإخراج تصاميم التهيئة؟ ومن يتحمل مسؤولية التأخر عندما تتجاوز الإجراءات آجالها القانونية؟
المواطن الذي يخالف قانون التعمير قد يجد نفسه أمام القضاء.
لكن عندما تتأخر الإدارة في أداء واجباتها، أو تتخذ قراراً غير مشروع يضر بمصالح المواطنين، فمن يضمن مساءلتها؟
نريد قانوناً يحمي الأرواح، وينظم العمران، ويحفظ حق المواطنين في السكن، ويحاسب كل من يثبت إخلاله بمسؤولياته.
**لأن دولة القانون لا تقوم فقط على معاقبة المواطن المخالف، بل تقوم أيضاً على إدارة تحترم حقوق المواطنين وتتحمل مسؤولية قراراتها.**
والسؤال الذي نتركه لكم:
هل أزمة البناء العشوائي في طنجة ناتجة عن مخالفة المواطنين للقانون، أم عن اختلالات في منظومة التعمير تحتاج إلى إصلاح جذري؟
الوثائق الرسمية للوكالة الحضرية لطنجة تؤكد وضعية تصاميم التهيئة في ماي 2025، وليس وضعيتها النهائية في أكتوبر 2026، لذلك صغت السؤال بشأن مستجداتها باعتباره سؤالاً مفتوحاً. كما سبق لإيكوبريس أن تناولت تعثر الرخص في طنجة وضواحيها.
ومن الناحية القانونية، يستند الحق في تعليل بعض القرارات الإدارية إلى القانون 03.01، ويؤكد القانون 55.19 مبادئ تبسيط الإجراءات وتعليل قرارات الرفض. كذلك تنص المادة 48 من القانون 12.90 على أثر قانوني لسكوت الإدارة في طلبات رخص البناء.
شارك المقال
مقالات ذات صلة
تحويل منطقة خضراء إلى مشروع عقاري خاص بتطوان.. والبيجيدي يطالب بالتحقيق
أثار شروع أحد المقاولين في حفر وبناء مشروع عقاري خاص بمدخل مدينة تطوان، بمحاذاة المكتب البلدي للصحة بحي طابولة، تساؤلات بشأن الوضعية القانونية للعقار الذي يحتضن المشروع، بعدما أكد فريق...
طنجة تستقطب استثمارا فندقيا جديدا.. “فور سيزونز” تعلن عن منتجع فاخر بكاب مالاباطا
تستعد مدينة طنجة لتعزيز عرضها السياحي الفاخر بمشروع فندقي جديد يحمل علامة “فور سيزونز” العالمية، بعدما أعلنت المجموعة، أمس الخميس، عن إطلاق مشروع منتجع سياحي بمنطقة كاب مالاباطا، يضم 99...
بلخيضر ينتقد تفويت أراضي الدولة لأباطرة التعليم الخصوصي على حساب المدرسة العمومية
في حلقة جديدة من سلسلة كشفه لاختلالات تدبير الشأن المحلي والعقاري بطنجة ، عاد المستشار الجماعي حسن بلخيضر ليسلط الضوء على ملف شائك يثير الكثير من الجدل، والمتعلق بتفويت أراضي...




